أن يفكر طالب جامعي بأخذ درس خصوصي في مادة معينة ضمن مقرراته الجامعية بعد أن لمس ثغرة حقيقية في الوصول إلى المعلومة أو النتيجة التي يسعى لها؛ فهذا يشير إلى وجود تراكم من الأخطاء في النظام التعليمي الجامعي.. أما حينما يتوجه الطالب لأخذ درس خصوصي من طالب مثله أو خريج أو حتى معيد لتحقيق النجاح في مادة معينة استصعب دراستها وحده أو يرغب في رفع علامته فيها؛ فهذا يشير إلى «بطر» من نوع آخر من قبل بعض الطلاب.. بين الحالتين أسباب عدة شرحها عدد من أساتذة الجامعة رغم رفضهم هذه الظاهرة، ومسوغات عديدة طرحها الطلاب، أغلبهم أيدوا ضرورة وجود دروس خصوصية والقليل منهم رفضها نهائياً، أسباب منها قد يكون محقاً ومنها لا أساس له من الصحة.
«تشرين» أجرت استطلاع رأي لعدد من طلاب الجامعات من مختلف الاختصاصات لمعرفة آرائهم بالدروس الخصوصية لطلاب الجامعة، من خلال عينة وصلت إلى 1200 طالب وطالبة، وجاءت نتائج الاستطلاع أن 63% من العينة أيّدت ضرورة وجود الدروس الخصوصية لبعض المواد في الكليات العلمية، بينما فقط 8% أيدوا ضرورة الاعتماد على دروس خصوصية في بعض المواد ضمن الكليات النظرية، أما 29% فوجدوا أن لا ضرورة لها أبداً، وهي مجرد «فذلكة» من الطلاب.

في عيون الطلاب
اختلفت آراء الطلاب والأسباب التي طرحوها وسوغوا بها اعتمادهم على الدروس الخصوصية أو الدورات التدريبية، من خلال الحديث عن تجاربهم الشخصية التي مروا فيها خلال سنوات الدراسة الجامعية، ومن بينهم هبة (طالبة اقتصاد) التي اضطرت إلى الدخول في معهد خاص لحضور جلسات امتحانية لعدد من المواد التي قدمتها أكثر من مرة ولم تنجح فيها، وتتساءل: لو أن مدرسي المقررات الجامعية يدرسون بمهنية وضمير، لما اضطر بعض الطلاب إلى دفع مصاريف إضافية على الدورات والدروس الخصوصية من أجل ترفيع مادة معينة… أما علي (طالب كلية تربية معلم صف) فيرى أن وجود مواد علمية في أقسام خاصة بالطلاب الذين يحملون شهادات الفرع الأدبي، يدفعهم للاستعانة بالدروس الخصوصية لاجتياز تلك المواد مثل (الإعداد والإحصاء ومفاهيم هندسية وغيرها)، بينما سلمى (طالبة هندسة تحكم آلي وحواسيب) تشير إلى أن أغلب المواد في القسم الذي تدرسه تُعطى في معاهد خارج الجامعة، وغالباً ما تكون تابعة لمعيدين من الكلية نفسها، ويتهافت عليها الطلاب بسبب انتشار مفاهيم خاطئة بين الطلاب، من قبيل: المعيد أقرب للطالب وقادر على إيصال المعلومة له بشكل أفضل، أو المعيد يعرف على ماذا يركز دكتور المادة وطريقة طرحه للأسئلة، وتضيف: دكتور المادة عندما يعلم أن طلابه يعتمدون على المعاهد الخاصة والدروس الخصوصية يتعمد زيادة صعوبة الأسئلة.
وجهات نظر
فئة من الطلاب رفضوا رفضاً قاطعاً موضوع الدروس الخصوصية، ومنهم رنيم (طالبة حقوق) التي تجد أن لا ضرورة للدروس الخصوصية في الكليات النظرية أبداً وهي مجرد «فذلكة» من الطلاب، فالكثير من طلاب الحقوق ومن دون حضور المحاضرات حتى، استطاعوا تحقيق النجاح، أما من يعتقد أن أستاذ الدرس الخصوصي قادر على إدخال المعلومة في رأس الطالب من دون أن يبذل الأخير أي مجهود فهذا غير منطقي، فما الذي سيقدمه طالب ماجستير أو خريج متفوق لزملائه أكثر مما سيقدمه أستاذ المقرر نفسه، وتوافقها الرأي آلاء (طالبة في كلية الآداب قسم التاريخ) إذ تقول: غالباً من يدرس في المعاهد الخاصة أو يعطي هذه الدروس هم طلاب مثلهم مثلنا، فكيف أترك المحاضرة المجانية التي يعطيها أستاذ مخضرم ويحمل شهادة دكتوراه في تخصص المادة وأذهب إلى طالب أو خريج لأدفع له ثمن معلومات متوافرة في أيدي جميع الطلاب.
أسباب أخرى قد تكون فردية إلا أن الطلاب يجدونها مسوغاً لهم، حيث يقول أحمد (طالب كلية علوم): قد يتعرض الطالب لظروف معينة تجعله يتغيب عن بعض المحاضرات، فيمكنه تعويضها من خلال الدروس الخصوصية، أما ميس (طالبة اقتصاد) فتجد أن العدد الكبير في الكلية وحضورها في أغلب الأوقات وقوفاً يجعلها تفقد تركيزها خلال المحاضرة فتعوضها من خلال المعاهد الخاصة والدورات.
تجارب مختلفة
بين طلاب القسم الواحد اختلفت الآراء، وكل طالب يرى الموضوع من منظوره، فمثلاً جود (طالب هندسة مدنية) يجد أن الدورات والدروس الخصوصية ضرورية لبعض المواد، ولاسيما أن المناهج النظرية مختلفة عن التطبيق على أرض الواقع، حسب رأيه، أما محمد (من الكلية نفسها) فيشير إلى أنه وصل إلى السنة الرابعة ولم يضطر هو أو أحد من رفاقه إلى أخذ دروس خصوصية رغم كثرة الإعلانات وأسلوب بعضها الذي يعتمد على تخويف الطلاب من المادة ليستغلهم، ويقول: الموضوع يختلف من شخص لآخر، بالنسبة لي أرى كل هذه الدورات تجارية بحتة لا تحقق أي فائدة للطلاب، أما غسان (أيضاً طالب هندسة مدنية) فيجد مسوغات لاعتماد الطلاب على الدروس الخصوصية؛ كأن يُدخل دكتور المادة أبحاثاً لم يقم بشرحها خلال المحاضرات لضيق الوقت، أو وجود 5 طلاب على كمبيوتر واحد في المواد التي تعتمد على برامج الكمبيوتر، وحتى عدم مراعاة بعض الدكاترة ضعف الطلاب في اللغة الإنكليزية، إضافة إلى أن المعيدين في الكلية هم غالباً يدرسون في المعاهد الخاصة خارج الجامعة، وتالياً سيكون شرحهم للمواد أفضل، وتلقائياً سيدعمون الطلاب بعلامة العملي والمشاريع.
مع الدورات التدريبية
الدكتور أيمن السواح (مدرّس في المعهد العالي للعلوم التطبيقية) أشار في البداية إلى أن حاجة الطلاب لدروس خصوصية أو دورات تدريبية بمواد دراسية معينة ناتج عن تدني مستوى التعليم الأكاديمي في الجامعات لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بتوافر الأستاذة الجامعيين المؤهلين، ولاسيما بعد فقدان الجامعات السورية عدداً كبيراً من كوادرها خلال الأزمة، وعدم عودة الموفدين الذين من المفترض أن يرفدوا الجامعات بشكل دوري بمدرسين جيدين يمتلكون كفاءات ومعلومات جديدة باختصاصاتهم، إضافة إلى أن التعليم الأكاديمي في الفروع العلمية يفتقر لمخابر جيدة تؤدي الغرض المطلوب منها، سواء في الجامعات الحكومية، حيث يشتكي الطلاب من العدد الكبير وقدم الأجهزة والممارسات السيئة من قبل المشرفين على المخابر، أو في الجامعات الخاصة التي غالباً ما تكون متجهة بالاتجاه التجاري؛ فلا يوجد اهتمام حقيقي بإكساب الطالب مهارات فعلية، وإنما الهم الأول الحفاظ على الطالب. مضيفاً أن ما سبق يجعل الطلاب غير جاهزين لسوق العمل ويجدون فجوة كبيرة بين النظري والعملي، بعد انحرافهم إلى أسلوب الحفظ البصم وتحصيل العلامة بأي طريقة والاعتماد على أسئلة الدورات والغش بالامتحانات وغير ذلك، من دون أن يصل الطالب إلى مرحلة الفهم، ما يدفعهم في مرحلة معينة إلى طلب الدخول في دورات تدريبية، وحسب شهادات من الطلاب، فإنهم في مثل هذه الدورات التدريبية يكتشفون من جديد متعة اختصاصهم ويصلون إلى معلومات يربطون فيها النظري بالعملي.
من جانب آخر، ألقى الدكتور السواح اللوم على الطلاب الذين لا يبذلون مجهوداً في الاطلاع على التطبيقات العملية من خلال البحث على شبكة الإنترنت، وهذا التقصير ليس دائماً مقصوداً، وإنما للأسف الضعف الشديد باللغة الإنكليزية في النظام التعليمي من المدرسة حتى الجامعة يؤثر بشكل كبير في عمليات البحث لأن أغلب مصادر المعلومات باللغة الإنكليزية، التي هي المفتاح الأساس لدخول مرحلة التعلم الذاتي، وامتلاك الطالب هذا المفتاح يجعله قادراً على الاستغناء عن الدورات التدريبية مع بذل الجهود المطلوبة لردم الفجوة بين النظري والعملي.
مشكلة مستوى التعليم
من وجهة نظر د. السواح، فإن قضية الدروس الخصوصية مختلفة تماماً عن الدورات التدريبية، لأنها ليست موجهة لفهم المادة العلمية بالضرورة، وإنما للأسف تعطى من قبل مهندسين أو معيدين أو طلاب في سنوات متقدمة، يمتلكون الخبرة بطبيعة المواد لا أكثر كالمسائل المهمة، وعلى ماذا يركز مدرس المادة وغير ذلك، وتابع إن بعض الطلاب لا يتجهون إلى الدورات التدريبية أو الدروس الخصوصية من أجل فهم مادة معينة، وإنما تكون الغاية الحصول على النجاح فقط من خلال حضور عدد من الجلسات فقط، بحجة أن كل ما في الجامعة يشجع على الحصول على الشهادة من دون الاهتمام بالفهم أو التطبيق العملي.
وعن الحلول قال د. السواح: لا يوجد حل في الأفق، ولكن نأمل مع تحسن الأوضاع وانحسار الأزمة أن يتحسن وضع الجامعات وكوادرها ووضع دراسة الطالب، وأن يتم وضع برنامج وطني لرفع مستوى التعليم ودعم المخابر والبحث العلمي، وإعادة صياغة المناهج والاعتماد على كوادر علمية جديدة، لكن هذا يتطلب سنوات عديدة، إضافة إلى الحاجة لرفع مستوى مشكلات التعليم ما قبل الجامعي، وتالياً ضرورة وجود نظرة شاملة لكامل النظام التعليمي ومعالجة ما فيه من مشاكل وعقبات.
خارج المنهاج
من جهته الدكتور أحمد الشعراوي (مدرّس في كلية الإعلام) الذي لم يسمع عن وجود الدروس الخصوصية في كلية الإعلام أبداً، ومع ذلك لا يؤيدها، أما الدورات التدريبية في هذا المجال والمنتشرة بشكل كبير جداً فيجدها ضرورية سواء لطلاب الإعلام أو لغيرهم من خارج الاختصاص، الذين يملكون الشغف والعشق للإعلام ويسعون للعمل فيه، ويرى أن الكثير من هذه الدورات يركز على اكتساب المهارات التي يجد فيها طالب الإعلام ضالته، حيث لا يمكنه الحصول عليها من خلال المقررات الدراسية الجامعية، كمهارات المونتاج والتصوير والإلقاء وغيرها، وهو يحتاجها حتى يتمكن من تطوير ذاته والتميز في عالم الإعلام، أما بعض تلك الدورات فأصبحت تجارية بحتة الهدف منها الكسب المادي فقط. ويؤكد الدكتور الشعراوي أن الدورات التدريبية يجب أن تكون خارج المنهاج الجامعي، وليست إعادة لما يتم تقديمه في الجامعة من معلومات حتى تحقق الهدف منها.
الدعم التعليمي
الدكتورة حنان عمرو (مدرّسة في كلية الحقوق) تتحدث بشكل خاص عن طلاب كلية الحقوق، تقول: تجد في المدرج الواحد آلاف الطلاب، وخاصة في السنوات الأولى، وطبيعة المواد فيها جديدة على الطلاب بشكل كلي بسبب عدم وجود أساس تعليمي لها في السنوات الدراسية ما قبل المرحلة الجامعية، وتالياً خلال المحاضرة يكون تواصل الطلاب مع مدرس المادة متفاوتاً، وبعضهم يجد صعوبة في فهم مفردات وصياغة الجمل القانونية، فيحصلون على علامات متدينة، ما يجعلهم يفكرون بالتواصل مع مدرس المادة بشكل مباشر لعلهم يصلون إلى نتيجة أفضل، أو حتى من خلال المعيدين أو الخريجين الذين من الممكن أن يقدموا لهم مساعدة في الإشارة إلى النقاط الأساسية في المقرر، مضيفةً أن الكثير من الطلاب يواجهون مشكلة في بعض المقررات التي تعتمد على المادة العلمية مثل مقرر الاقتصاد، وأغلبهم من حملة الشهادة الأدبية، فيجدون حلقة مفقودة يحاولون ترميمها من خلال الدروس الخصوصية، مؤكدةً أن هذه الظاهرة غير مرضية أبداً، ويجب حلّ مشكلة ضخامة عدد الطلاب بتقسيمهم إلى مجموعات، إضافة إلى تغيير آلية المحاضرات في جامعاتنا التي تعد تقليدية جداً، ولا يوجد فيها التفاعل والحوار الذي يرسخ الأفكار عند الطلاب.
وعن الحلول تشير د. عمرو إلى أنه للحدّ من أي ظاهرة من المفروض أن ندرس الأسباب، التي تشير إلى وجود إخفاق في الأداء التعليمي، وتالياً يجب تعديل هذا الأداء الذي لا يوصل إلى نتيجة إلا مع الطلاب المهتمين بشكل شخصي، أما الطلاب الآخرون ذوو الإمكانات الأقل فيبدو أنهم يبحثون عن وسائل أخرى لينجوا من هذه العقبات ومنها الدروس الخصوصية. وتتابع: قد يكون الحل الآني من خلال دورات تعزيزية للطلاب الذين هم في حاجة لاهتمام أكبر، تلك الدورات تكون تحت إشراف الجامعة وقد تكون مدفوعة، تحقق لمن يرغب من الطلاب الحصول على الدعم التعليمي.

print