تواطؤ، تقهقر، غيبوبة..
ملامح يجب تحقيقها كرمى استنباط الآليات العملية لعلمية نظريات فلسفية اجتهد فيها مفكّرو الغرب لتقديم الأطروحات التي تساهم في هندسة المجتمعات ومزاجها الحضاري، ليكون ظهورها سلوكاً استهلاكياً، أما امتلاكها الجديّة في الصدقية العلمية والعملية على الساحة الدولية أو عدمه فليس بالمهم، إنما المهم أنها تعكس بشكل واضح طريقة التفكير الأمريكية في هذه الفترة إزاء الأزمات الحادّة، لوضع إطار نظري لمصير العالم لتكون نظرية «الفوضى الخلّاقة» الحلقة الأشمل لضم ما أمكن من الجغرافيا السياسية داخل الاستراتيجية الأمريكية نفسها.
فهل كان التهليل لتصريح كونداليزا رايس يوم أعلنت عن نيّة واشنطن قلب المفاهيم، واستبدال مفهوم «الشرق الأوسط الكبير» بـ«الجديد» على أنه جسارة مسؤول أمريكي في طرح استراتيجيتهم وفق طور جديد من العلاقات الدولية الشفّافة المستندة إلى الفوضى الهدّامة كفكرة، لتكون خلّاقة بالنسبة لهم، ولتحقيق أكبر منسوب من المصالح الأمريكية؟!
وإلى متى سيبقى العالم العربي تدهمه النظرية على نحو مباغت من دون الاستعداد لمواجهتها بسلسلة طروحات جاهزة لاستقبالها؟
قبل «الفوضى الخلّاقة» كانت نظرية «نهاية التاريخ» لـ«فوكوياما»، واليوم نظرية «القوة والضعف» لـ«روبرت كاغان»، وما بينهما الكثير من الأفكار الفوضوية السريعة المعلّبة وفق تكهّن ممنهج للمستقبل، وتوقّع التطوّرات على أساس دراسة اتجاهات النمو الجارية بمتحولات متسارعة لحصر طبيعة الفوضى التي تجتاح العالم، وليكون العالم العربي بخريطته الجيوسياسية المنصّة الأهم لتقديم النص الاستغلالي في مسرح مكشوف مهيّأ لاستقبال السلع الأمريكية بصياغة فلسفية تسوّغ التسلّط، وتجيز استخدام حاملات الطائرات والبوارج والدبابات وراجمات الصواريخ من دون غطاء شرعي أو قانوني ما دامت عضلاتها قادرة، عبر ممثليها، على تحقيق «أدبيّاتها» السياسية، غير عابئة بالرأي العام ولا بالمنظمات الدولية، يساعدها في ذلك استراتيجية اللهاث، التي تستخدمها بعض الدول العربية لاحتواء ما أمكن من نفوذ أمريكي كـ«تحصيل حاصل»، حيث الجعبة العربية، في معظمها، خاوية من أي أداء سياسي مضاد للارتهان، وواقع الحال «سياسي إباحي»، لا يخجل من طرح التواطؤ كسلوك يزعم بعض ولاته وملوكه وأمرائه بأنه «تواطؤ خلّاق» مادام يحقق مصالح شخصية آنية، حتى وإن كان الثمن تسابق تطبيع ماراثونياً مع «إسرائيل»، وسط واقع عربي فظّ يجرحنا بل يفترسنا، ويكرّس نهج التسويق المصلحي ويدجّن النفوس لتقبّل خطايا التورّط بتمكين العفن الأخلاقي من خلال حكومات تسير في الفلك الأمريكي، وتستضيف القواعد الأمريكية مع ساستها لتقديم أكثر ما تستطيع لتحقيق فوضى «الربيع العربي».
«التواطؤ الخلّاق» هو توءم الإذلال والابتزاز، وإذا كان كسر الإرادة فكرة استمرأها العقل العربي، فإن سورية، الوطن المقاوم، أبت الدخول في دوائر الفوضى الجديدة للاستراتيجية الأمريكية، وكانت السبّاقة في معارضتها لكل سلوكياتها، وتصدّت بإرادة تأبى الانكسار لمشروعاتها المسخّرة لخدمة الكيان الصهيوني، وامتلكت أسباب القوّة العسكرية، لذلك كان خيار الحرب قراراً أمريكياً فشل على أرضها، لتكون سورية وحدها من تتولى إرساء الاستقرار الداخلي على المستوى الجيوسياسي، وليبدأ من دمشق العد العكسي لإعادة التوازن بعد أن أحبطت النظريات السياسية وأخفقت على أسوارها الأدوات، ونضبت في حضرة مناعتها ومقاومتها العلوم السياسية الغربية، فطفق الغرب يستعير من النظريات ما أمكن من وسائل لتسيير آلته الضخمة، وليقوي عمله في أزمة افتعلها، متوهماً أن النسر يُؤكل!

m.albairak@gmail.com

print