آخر تحديث: 2020-10-01 14:52:20

امتداح القراءة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

قرأت رواية (مولانا) للمصري إبراهيم عيسى في طبعتها التاسعة عشرة الصادرة عام (2015) والمتوقّع من رواية طبعت تسع عشرة مرّة خلال زمن قصير أن تحظى بغير طباعة لاحقة، وقبل إخضاع هذه الرواية لأي تناول يُستحسن التنويه بالرقم الذي بلغته طبعات الرواية، فهو رقم يبدو غير مسبوق في عدد طبعات الكتب العربية، وهذا العدد الكبير من الطبعات يستحضر إلى الذهن رواية (مئة عام من العزلة) التي حظيت بطبعات كثيرة جاوزت رقم العشرين خلال زمن قياسي تلا صدورها بالعربية، وهاتان الروايتان تُعدّان مثالين مميّزين يتقاطع في كلّ منهما الرواج التجاري بالجودة الفنية، وربما كان اقتران الرواج التجاري بالجودة أمراً واقعاً في حيّز الندرة، فالرائج، أو المروَّج له، في مختلف الأنواع الفنّية ليس جيّداً بالضرورة، بل ربما صحّ العكس، إذ يندر أن يتمتّع الرائج تجاريّاً بالجودة الفنية، بوصف الرواج مرتهناً بظرفيه المكاني والزماني، وبوصفه محوطاً بجملة من العوامل الخاصّة.
من الأمور المقروءة في رقم الطبعة أنّ الدنيا العربية لا تزال بخير، حتى لو كان خيراً في حدوده الدنيا، إذ لايزال لدينا جمهور يقرأ، ويقرأ أعمالاً مميّزة، والمؤسسات الناشرة مؤسسات ربحية، لا تستطيع أن تجازف بخسائر ناشئة عن كتب كاسدة، ومتكدّسة في المخازن، والجمهور القارئ قادرٌ على التمييز بين الغثّ والسمين، وهو يقبل على قراءة الأعمال الجيّدة، واقتنائها مهما غلا الثمن، ولاسيما في ظلّ الأحوال المعيشية الصعبة التي نعانيها جميعاً، فعلى سبيل المقارنة، تكتظ مستودعات اتحاد الكتاب العرب بالمطبوعات التي لا تجد من يشتريها، رغم رخص أثمانها المتدنية، ولا تجد أيضاً من يقتنيها حتى لو كان الاقتناء من غير مقابل، مع الانتباه إلى إيلاء حساسية الموضوع المحوري الذي اشتغلت عليه الرواية عناية خاصّةً، أي الاستثمار السياسي للدين، وإنشاء منظومة فقهية تلفزيونية، تروّجها، وتشيعها قوى سياسية واقتصادية، ويعرضها مشايخ تحوّلوا، بفعل السياسة والمال الخليجي، إلى نجوم تلفزيونيين رائجين على طريقة السلع الرائجة، فالدين الذي يروّجه التلفزيون دين يقع خارج النص المقدّس، وخارج السياق التاريخي للتدين، والبارزُ فيه أنّه استثمار ماليّ يدرّ أرباحاً طائلة، وأنّه وسيلة لترويج العنف الذي ترعاه القوى المهيمنة الكبرى، إنها رواية متعوب على إنجازها بشكل ماثل في كلّ صفحة من صفحاتها الكثيرة، وهو ما يعكس احترام المؤلّف لمادّته، مع التنويه بأنّ مثل هذا الاحترام شرط لازم لأي عمل جيّد.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed