تُقاسمها المكان وتصطف إلى جانبها في الرفوف كما أنها تنافسها في السعر و على مرأى المعنيين قبل المواطنين، تنتشر تلك المواد على اختلاف أنواعها وأصنافها في المحلات الصغيرة و الكبيرة، وما أكثرها في المولات وخاصة الألبسة منها، التي تسابق الألبسة المحلية في العرض وبكل ثقة يقدمها البائعون للزبائن متباهين بجودتها مستعرضين ميزاتها.
أثناء وجود فريق تشرين في أحد محال بيع الألبسة في منطقة الرمل دخلت إحدى السيدات المحل، فسارع البائع لفرد ما يحتويه المحل من بضاعة تركية قطعة قطعة متباهياً بنوعيتها ومنشئها من دون أن يكترث لإمكانية وجود أي جهة رقابية، وعند سؤالنا عن مصدر تلك البضاعة أجاب أنها من تجار الجملة، وبعد أن أعدنا عليه السؤال قال إنها تصله إلى المحل من أحد التجار، وعند سؤالنا عن اسم التاجر ومكان محله قال إنه لا يعرفه فقط تصله البضاعة إلى المحل عن طريق هذا التاجر مؤكداً عدم معرفته بمكان التاجر.

لكل بضاعة زبون
وكذلك جاء جواب أحد باعة المواد الغذائية أن الزيت يصله عن طريق أحد التجار ولا يعلم مكانه، مبيناً أن كثيراً من المواطنين يفضلون شراء الزيت التركي لأن سعره يقل عن سعر الزيت المحلي أكثر من 300 ليرة، والكثير من المحال تحتوي بضاعة تركية، وأضاف أن وجودها في الأسواق نظامي ما دامت توجد بهذه الكميات… تشابهت إجابات تجار آخرين عند سؤالنا عن مصدر البضاعة التركية وكيف تصلهم إلى محالهم، وقال تاجر مواد غذائية آخر لأن عملنا يعتمد على مبدأ العرض والطلب، فإن الطلب وللأسف يكون على المنتجات غير المحلية، والسبب في ذلك هو انخفاض أسعارها مقارنة مع بعض السلع والمنتجات السورية، وجودتها أيضاً، حيث بينت السيدة (سناء) أنها تفضل شراء الملابس ذات القماش التركي لأنها أكثر جودة وأفضل بكثير من البضاعة المحلية ولا يمكنها الاستغناء عنها .
وأضافت الشابة عبير حسن: كغيري من الناس أقتني الملابس ذات الصناعة التركية والأجنبية، وتتأسف على البضاعة المحلية التي عدتها لا تلبي الحاجة، فجودتها ليست بمستوى جودة ونوعية البضاعة التركية، في حين قال لؤي عباس إنه لم يكن يرغب بشراء البضاعة الأجنبية لولا جودتها، وإنه يمكن أن يحجم عن شرائها إذا توافر البديل المحلي.
تعد مواقع التواصل الاجتماعي الأكثر جرأة في عرضها للمنتجات التركية وخاصة الألبسة والأحذية، حيث يؤكد أصحاب هذه المواقع كفالتهم لهذه المنتجات، ولترغيب المستهلكين باقتنائها يعرضون خدمة إيصالها للراغبين إلى أماكن وجودهم ضمن المحافظة التي توجد فيها مع إمكانية الشحن للمحافظات، فضلاً عن إجراء تنزيلات على تلك البضاعة، أما إذا ما أردت أن تتواصل مع أصحاب تلك الصفحات ومعرفة أماكن وجودهم فيكون الجواب (ما عنا محل .. البضاعة موجودة بالبيت ونحنا منوصلك إياها وين ماكنت)، ولهذه الصفحات روادها الذين ينتظرون ليس في كل موسم بل على مدار العام كل شيء جديد تعرضه هذه الصفحات!
حيث أكد مَن تواصلنا معهم و يتسوقون عن طريق صفحات «الفيس بوك» أنهم يثقون بتلك المنتجات وبالأشخاص الذين يتعاملون معهم، حيث إن معظم البضاعة تصلهم بناء على طلبهم، أي أنهم هم مَن يتحكمون بأي القطع والموديلات يريدون، وحتى كذلك بالألوان التي يفضلون ليتم إحضارها لهم خلال مدة زمنية قصيرة لا تتجاوز في أكثر الأحيان الأسبوع .
«توب العيري ما بيدفي»
في المقابل هنالك من يرفضون شراء السلع المهربة سواء الغذائية أو غير الغذائية ويرون أن إنتاج السلع المحلية و خاصة الألبسة يمر في فترة عصيبة أفقدتها رونقها، مطالبين بمقاطعة المنتجات التركية ووضع قوانين صارمة لمن يقتنيها.
الرجل السبعيني جلال حسون يرفض رفضاً قاطعاً دخول أي من المنتجات التركية منزله مهما كانت نوعيتها أفضل من المنتجات المحلية يقول: (توب العيري ما بيدفي وإن دفى ما بيدوم).
وأضافت الموظفتان فاطمة علي و سماح شدود: إن الحل الأنسب لقمع هذه الظاهرة هو مقاطعتها من قبل المستهلكين، وهذا الإجراء سيكون أكثر فعالية مع الإجراءات التي ستطبقها حالياً الجهات الحكومية المعنية بهذه الظاهرة.
وأيدهما الرأي كل من عدنان وحسن عمران عادان أن المستهلكين أنفسهم لهم دور فعال في قمع هذه الظاهرة من خلال امتناعهم عن اقتناء المواد المهربة بكل أنواعها، ولو على حسابهم.

تعمل ضمن صلاحياتها
مديرية حماية المستهلك في اللاذقية من خلال صلاحياتها المتمثلة بتنظيم الضبوط، ومن خلال جولاتها الرقابية في الأسواق لاحظت انتشاراً لبعض المواد مجهولة المصدر (غذائية وغير غذائية) وتمت متابعة هذه المواد وتنظيم الضبوط اللازمة ومصادرة المواد المخالفة، وتسليمها إلى مستودع محجوزات المديرية، هذا ما أكده أحمد نجم، المدير السابق للتجارة الداخلية وحماية المستهلك في اللاذقية، مشيراً إلى أنه تم تنظيم 272 ضبطاً تموينياً لحيازة مواد مجهولة المصدر لعام 2018، وتنظيم 13 ضبطاً تموينياً لحيازة مواد مجهولة المصدر لعام 2019 .
وأكد نجم أن المديرية مستمرة من خلال جولات دوريات المديرية في الأسواق على جميع المواد الغذائية وغير الغذائية للحد من ظاهرة انتشار المواد مجهولة المصدر بل منعها.
يمكن أن تنساب ..
عدة أسئلة توجهنا بها إلى مديرية جمارك اللاذقية ليأتي الرد أنها غير مخولة بالإجابة، ويجب إرسال هذه الأسئلة إلى المديرية العامة في دمشق، وقد قمنا بدورنا بإرسال الأسئلة ذاتها إلى إدارة الجمارك العامة في دمشق، وبعد ذلك تم إرسال الأجوبة من خلال مدير الجمارك في اللاذقية أديب العلي على سؤالنا عن وجود بضائع مهربة ذات منشأ تركي داخل الأسواق، حيث أشار العلي إلى أنه يمكن أن تنساب مثل هذه البضائع عن طريق المنافذ الحدودية غير الشرعية إلى داخل المدن، لكون البضائع التركية غير مسموح باستيرادها حالياً، وتالياً فإنه في حال ضبط مثل هذه البضائع في الأسواق المحلية وغيرها، يتم اتخاذ الإجراءات القانونية لملاحقتها بجرم التهريب وملاحقة المسؤولين عنها وفق ما نص عليه قانون الجمارك.
كما بيّن أن الضابطة الجمركية تقوم من خلال الصلاحيات الممنوحة لها بموجب قانون الجمارك بمكافحة التهريب على امتداد الحدود البرية و البحرية و الجوية للقطر، كما تقوم بإجراء التحري عن التهريب وحجز البضائع ضمن النطاق الجمركي وخارج النطاق أيضاً في حال الاستدلال على وجود عمليات تهريب.
وأكد مدير الجمارك أن المديرية وضعت ضمن أولوياتها التصدي لظاهرة التهريب من خلال التركيز على منابع التهريب في عمق النطاق الجمركي، وصولاً إلى الشريط الحدودي واتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع إدخال أي مواد مهربة وخاصة المواد الغذائية، لكونها تمس بالسلامة الغذائية للمواطن.
في حين بيّن رئيس ضابطة جمارك اللاذقية العقيد لؤي مخلوف أن عدد القضايا المحققة في ضابطة جمارك اللاذقية للمواد المهربة بلغ منذ بداية عام 2019 حتى تاريخه أربعة عشر ضبطاً و غراماتها خمسة عشر مليون ليرة، تنوعت البضائع المهربة بين أجهزة هاتف ومضخمات صوت و نظارات طبية ووحدات داخلية لأجهزة التكييف و ساعات يد وألبسة مختلفة و لوازم أراكيل وقطع تزيين سيارات وشعر مستعار ومسَاحات للسيارات ورولات «فيميه» للسيارات .
وأشار مخلوف إلى أن عدد القضايا خلال عام 2018 بلغ(93) قضية جزائية منها (5) قضايا مخدرات، وبلغت غرامات القضايا ما يقارب 7,235 مليارات.
البحث عن الأسباب
من جهته الباحث الاقتصادي الدكتور فادي عياش يرى أنه قبل الحديث عن ضبط المواد المهربة علينا البحث في أسباب انتشار هذه المواد قائلاً: إنه من المعروف أن انتشار أي سلعة لا يمكن أن يتم من دون وجود طلب فعال عليها، ووجود هذا الطلب يعني بالضرورة أن هذه السلعة مرغوبة ومرضية لطالبيها أو أن بدائلها محدودة، مشيراً إلى أن السلع المهربة بديل للسلع المحلية أو المستوردة أصولاً، وقانون الإحلال والإبدال يعتمد على نسبية الجودة والسعر، فإذا كانت السلع المهربة واسعة الانتشار وذات قبول عال من المستهلك، فهذا يعني أنها تحقق تموضعاً نسبياً من حيث الجودة – السعر أفضل من وجهة نظر المستهلك من البدائل المحلية أو المستوردة.. سواء أكان المستهلك المقصود نهائياً أم وسيطاً.
ويتابع: من الأجدى البحث عن كيفية تعزيز إحلال السلع البديلة مكان المهربة، من خلال الجودة والسعر ويصبح المستهلك هو أداة الضغط الأولى في عدم الإقبال على السلع المهربة .. وفي هذه الحالة فقط يكون للإجراءات الأخرى أثرها الفاعل، فيما عدا ذلك ستبقى هذه المهربات مادام الطلب عليها فعالاً.
فرض معايير حاسمة
فالإجراءات الفاعلة، كما يرى د. عياش، تبدأ من فرض معايير حاسمة للجودة المتناسبة مع أسعار مدروسة تراعي القوة الشرائية للمستهلك سواء للمنتجات المحلية أو المستوردة، ثم توفير هذه السلع لتحل محل تلك المهربة، وعند هذه المرحلة تأتي إجراءات ضبط الأسواق المختلفة لمنع وجود وانتشار المهربات، حيث يكون المواطن قادراً على تأمين حاجاته بشكل مقبول ، ففي مجال الألبسة نجد للأسف أن السلع المحلية عاجزة عن مجاراة «البالة» أو الألبسة التركية وغيرها من حيث ثنائية (الجودة – السعر) ولا تتناسب مطلقاً مع القوة الشرائية للمواطن .. وتالياً سيبقى يبحث عن «البالة» والألبسة التركية مهما كانت الإجراءات لمحاربتها، أي سيبقى الطلب على «البالة» والألبسة التركية وغيرها فعالاً وهذا مسوغ قوي لاستمرار تهريبها.
تباين الآراء حول موضوع السلع المهربة مسوغ تماماً كما يقول د. عياش ويضيف: فمن وجهة اقتصادية وحتى اجتماعية وسياسية التهريب نشاط مدمر وآثاره ذات منعكسات خطرة على جميع المستويات، ومن هنا هو نشاط مرفوض ويجب عدم السماح به بالمطلق، ومن جهة أخرى وفيما يتعلق بالسلع الأساسية (غذاء – ألبسة – دواء …) يكون حاجة وضرورة يسوغه غياب أو عجز البدائل عن تلبية الرغبات وإشباع الحاجات.. فالمواطن المحتاج للسلع الأساسية وبدافع الحاجة ومع ضعف القوة الشرائية المتاحة، إضافة إلى ضعف البدائل، يجد في هذه السلع المهربة ضالته وتالياً يصبح مشجعاً لها ويعد محاربتها تضييقاً عليه، فيجب أن يبقى المواطن هو الهدف، فلماذا يتم اللجوء إلى التهريب التفافاً على منع استيراد سلع ما؟ وهنا يجب التأكد من أسباب المنع حتى لا تتحول لأداة احتكار وتلغي المنافسة، وتالياً يتم التحكم بالأسعار وعلى حساب الجودة من قبل قلة، أو تهرباً من تكاليف الاستيراد النظامي فقد تكون الرسوم والضرائب عالية جداً ما ينعكس على تكلفة السلع وأسعارها ويفقدها قدرتها على تلبية حاجات المستهلك، أو جشع البعض لتحقيق أرباح احتكارية من خلال التهرب من سداد المستحقات ونجد هنا أن التهريب (النظامي أو القانوني) أكثر خطراً وأشد تأثيراً من التهريب غير الشرعي أي عندما تدخل سلع بكميات أكبر من المصرح بها أو بمواصفات مغايرة للمصرح بها، ولتجنب الآثار المدمرة لظاهرة التهريب بكل أشكالها يقول د. عياش نحتاج دراسة واقعية وجدية لأسبابها ومعالجتها وصولاً إلى معالجة آثارها وإلا سيبقى استنزافاً للاقتصاد الوطني.
لفت نظر ..
وبعد كل هذا وجب التذكير بأنه منذ أربعة أعوام، أي في عام 2015 ، صدر قرار حكومي وفيه (يحظر استيراد أو شراء أي مادة أو بضاعة أو تجهيزات ذات منشأ تركي، كما يمنع قبول العروض التي يدخل في تركيبها أي مكون تركي) ليأتي تأكيد الحكومة تباعاً على الجهات الرقابية بمتابعة تطبيق هذا القرار.
والجدير ذكره أن رئاسة مجلس الوزراء ناقشت مؤخراً موضوع المواد المهربة، ووضعت خريطة طريق متكاملة لـ «إعلان سورية» دولة خالية من المواد المهربة نهاية العام.
وقد أشار أغلب الذين التقيناهم إلى قبولهم ما تم تداوله بخصوص إعلان سورية دولة خالية من المواد المهربة إذا طبق فعلاً كما قالوا، بينما يعتقد منتجون أن البضاعة المهربة لن تنتهي من الأسواق حتى وإن تم ضبطها ومصادرتها، لأن المستودعات التابعة لمَن يعملون بهذه الأمور ممتلئة وتوزع لعدة محافظات، وهي غير معروفة إلا لأصحابها، وأيضاً أشاروا إلى أن مَن يقومون بالتهريب ليسوا أبناء اليوم ويعرفون كيف يستطيعون الاستمرار بالتهريب، وحتماً نحن غير متشائمين ونستبشر خيراً بأن يتم الحد من هذه الظاهرة إذا لم يتم القضاء عليها نهائياً ونأمل أن تنتهي هذه الظاهرة، لأنها أدخلت لحياتنا أشياء كثيرة غريبة عن واقعنا والأمر لم يتوقف فقط على تهريب الألبسة والمواد الغذائية التي لا ندري مدى صلاحيتها، لكن ما نراه إلى الآن على أرض الواقع عكس كل الحسابات والتوقعات.

طباعة

عدد القراءات: 12