التناقضات، في توزيع القوى خلال هذا العام، دفعت مؤتمر «ميونخ» للأمن إلى ضرب جرس الإنذار في أوروبا لتعطي ظهرها إلى الولايات المتحدة وتتقرب من روسيا أكثر وفق إعادة ترتيب التوازنات الجديدة وموازين القوى.
انتهى مؤتمر «ميونخ» للأمن فيما ستتواصل تداعياته لشهور وربما لسنوات مقبلة، فالأوروبيون دشنوا وبصراحة تامة عبر المؤتمر عهداً جديداً لسياساتهم الخارجية والأمنية والتجارية أكثر تحرراً من التبعية الأمريكية التاريخية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صبرهم المخجل على سياسة واشنطن تحت قيادة الملياردير الجمهوري دونالد ترامب، متقلب المزاج والسياسات بدا نافداً، ونهايته لم تعد إلا مسألة وقت.
الحضور الطاغي لابنة ترامب إيفانكا في ميونخ، لم يشفع لوالدها لوقف هجوم هو الأكبر والأعنف عليه من قبل حلفائه السابقين في القارة الأوروبية، التوقعات كافة، كانت تشير قبيل المؤتمر إلى أن روسيا، وكالعادة، ستكون بيت قصيد المؤتمر، بينما وجّه الأوروبيون بقيادة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل انتقادات طويلة، لسياسات إدارة ترامب تجاه الجميع، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط.
لم تكن روسيا محطة الترصد الكبيرة في المؤتمر، واشنطن كانت الهدف الأكبر، وعلى أي حال ساهم ترامب ورجاله في زيادة الغضب الأوروبي، حتى إن صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، علقت على الأمر بالإشارة إلى أن المؤتمر الأمني السنوي الذي طالما شكل جبهات موحدة للحلفاء الغربيين تحول إلى منصة للهجوم على نهج الرئيس الأمريكي القائم على التصرف بشكل منفرد.
الأوروبيون وعلى رأسهم ميركل وجهوا انتقاداً ممزوجاً بالسخرية لتصريحات المسؤولين في إدارة ترامب، التي زعمت أن السيارات ألمانية الصنع، تمثل خطراً على الأمن القومي الأمريكي، قبل أن تدعو ميركل الأوروبيين لتعزيز قواهم العسكرية الدفاعية بشكل عاجل.
الاستفزاز الأمريكي للأوروبيين جاء بلسان مايك بنس نائب ترامب بإصراره على تصدير أجواء أمريكية مزعجة ومتعالية في المؤتمر، بنس خاطب الأوروبيين بنبرة آمرة لحثهم على الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وزيادة ميزانياتهم الدفاعية بما يتماشى مع متطلبات حلف «ناتو»، طريقة بنس الاستعراضية تجاه حلفاء واشنطن، والممجدة لترامب، أشعلت طاقة غضب عارمة تجاه الولايات المتحدة تحت حكم الرئيس التاجر، فيما لم يأبه أحد بأن ابنته تجلس بين الحضور.
لم يخف على أحد أيضاً أن هناك مخاوف أوروبية كبرى من الهرولة الأمريكية للانسحاب من أفغانستان، بل تمكين «طالبان» من الحكم في دولة موقعها حساس سياسياً وأمنياً، لكن خلافات أخرى اقتصادية وتجارية بين واشنطن والاتحاد الأوروبي قلبت الأخير على الأول في مؤتمر «ميونخ».
وتتهم الولايات المتحدة ألمانيا بأنها تتمسك بالغاز الروسي العابر من خلال خط أنابيب بحر البلطيق، ما يضر بالمصالح الأمنية لحلف «ناتو»، وفق واشنطن، بينما تدافع الحكومة الفيدرالية في برلين بأن الأمر لا يعدو كونه مجرد مشروع اقتصادي بحت، وعلى هذا النحو هدد الأمريكيون الشركات الألمانية بفرض عقوبات لوقف المشروع، وهو ما استفز الألمان وعبروا بأريحية عن رفضهم تلك النبرة.

print