كان الشّعب التّونسي من أوائل شعوب الدّول العربية التي وقفت مع سورية في محنتها، ومن أوائل من طالب إعادة فتح السّفارة السّورية فيها، نقصد هنا اعتصام النّخوة العربية المستمر منذ خمس سنوات وحتّى اليوم، إذ يجتمع المعتصمون أمام وزارة الخارجية ويرفعون شعارهم ذاته ألا وهو إعادة فتح السفارة السورية في تونس إضافةً إلى شعارات أخرى تتعلق القومية والعروبة، ولم يكتف القائمون على هذا الاعتصام بالعمل ضمن حدود تونس الخضراء، بل تواصلوا مع أشقاء في دول أخرى، طالبين منهم إقامة اعتصام على غرار مايفعلون، لكن للأسف لم يلقوا آذاناً صاغية، وعلى الرغم من كل شيء لم يتغيب المعتصمون يوماً عن أربعاء النخوة العربية، ولم يمنعهم شيء من الصمود والاستمرار لا برد ولا حرّ ولا ظروف خاصّة من موت أو زواج أو عمل.

صالح بدروشي المشرف على اعتصام النّخوة العربية ورئيس جمعية الأخوة والمواطنة العربية وعضو لائحة القومي العربي، كان منذ فترة في ضيافة دمشق، يلتقي أطفالها وشبابها، ويسير في شوارعها الآمنة بفضل بطولات الجيش العربي السوري الذي حارب الإرهاب نيابة عن كلّ العرب بمن فيهم أولئك الذين تآمروا على سورية، لكنّهم الآن يعودون أدراجهم إلى الأرض المقدسة التي طالما فتحت أبوابها للجميع، ويعيدون فتح سفاراتهم التي أغلقوها كما أغلقوا آذانهم عن كلمة الحق، وما يزال بعضهم كذلك..

سنوات خمس من اعتصام النخوة العربية ونداءاته وصرخاته تصطدم بجدران وزارة خارجية بلدهم، لماذا أصمّت الحكومة في تونس آذانها لهذا الحراك الشعبي؟ وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر هكذا حراك في القرار الرسمي؟،.. يجيب بدروشي: في الحقيقة اعتصام النخوة العربية لم يكن موجّهاً فقط للحكومة التونسية، بل كان الاعتصام موجّه للجميع في تونس وخارجها، مكان الاعتصام كان بعيداً ومن الصّعب الوصول إليه مع ذلك استمرينا خمس سنوات، وقلنا لأنفسنا حتّى لو لم نستطع حشد تجمع شعبي كبير سنبقى لنذكّر كلّ أسبوع الشعب التّونسي بقضية اسمها سورية، وبقينا نرفع شعاراتنا لإحراج ومنع النّظام من مخادعة المواطنين لأنّهم وبعد حراكنا واعتبارهم مطلبنا مطلب شعبي وعدوا بإعادة فتح السفارة السورية ولم يفوا بوعودهم، استمرارنا بيّن للمواطنين عدم صدق الحكومة في وعودها، مضيفاً: مواصلة الاعتصام أيضاً كانت لتوجيه رسالة إلى الجيش العربي السوري والشعب العربي السوري نقول فيها إنّ هناك في أقصى المغرب العربي شعب يناصرهم ويساندهم.

سمعنا منذ أشهر عن رغبة بعض الدّول بإعادة سفاراتها في دمشق، وشهدنا منذ فترة قصيرة ذلك، لكن ما الذي يمنع بقية الدّول العربية من السّير في هذا الطّريق؟ يجيب بدروشي: قراراها ليس بيدها، بيد أمريكا والسّعودية، فالاستعماريون أرادوا كسر القومية العربية والعروبة لدى السّوريين، لكنّهم لم ينجحوا، صحيح أنّ الحكومات حاربت سورية لكنّ الشّعب العربي من المحيط إلى الخليج فخور بانتصارات الجيش العربي السّوري، لأنّه منذ سنين لم يتذوّق طعم النّصر، الشعب العربي يحبّ الرئيس بشار الأسد ويحب الشّعب السّوري ويتعاطف معه لأنّه صمد وقاوم ودفع الدّم دفاعاً عن كرامة كلّ العرب، بل كل الأحرار في العالم، الشعب التونسي لديه إحساس بأنّ الانتصار السّوري كفيل بغسل العار الذي لحق بنا من جرّاء الحكام الخونة الذين باعوا أنفسهم وأوطانهم لأسيادهم الأمريكان والصهاينة.

ويتابع بدروشي: هناك أمر يعرفه السّوريون ويغيب عن العرب، وهو أن بعض التّونسيين الذين أتوا إلى سورية للقتال مع الإرهابيين لم يكونوا تونسيين ومنهم من غُرر به، نحن بحثنا عن عائلات المغرر بهم والموقوفين وأقمنا مؤتمراً صحفياً كانوا يبكون لأنّهم يحبون سورية والجيش السّوري، لكن هناك من غرر بأبنائهم ولم يخبروهم أنّهم يرسلونهم “للجهاد” بل إلى إقامة دورات لحفظ القرآن في ليبيا وسورية، هناك فتاة متزوجة من مهندس وأتاهم عقد عمل في تركيا، سافرت معه لكنها تفاجأت أنها في سورية، اتّصلت بأهلها مرّة واحدة وهي تبكي ومن بعدها لم يعرفوا عنها شيئاً، مشيرة إلى أن من يقتلون السوريين يقتل التونسيين أيضاً، وهؤلاء مثل الخونة الذين شكلوا أيضاً مايسمى “الجيش الحر” ولا علاقة لهم بالقومية أو العربية، هؤلاء أتوا ليحاربوا سورية لأنّها متمسكة بكرامتها وبعروبتها وبقوميتها وبالقضية الفلسطينية على الرّغم من كلّ المؤامرات والطّلبات “الدّاعشية” والأمريكية وأدواتهم وعملهم على تغيير اسم الجمهورية العربية السّورية وإلغاء عروبتها، فإن من يطلب ذلك من سورية كمن يطلب منها أن تتخلى عن سوريتها، وإن كان المتآمرون على سورية قادرين على إدخال عشرة أشخاص بالمال إلى سورية، فإننا قادرون على إحضار الآلاف ومن دون ليرة فقط للدفاع عن سورية، كثير من الشباب التونسي اليوم يتمنى أن يأتي ويقاتل إلى جانب أبطال الجيش العربي السّوري أو أن يشارك بأي نشاط في سورية في إعادة بناء وإعمار سورية.

إذاً، في ظل كل ّ هذه المؤامرات والمخططات الاستعمارية، كيف لنا أن نثبت عروبتنا في نفوسنا لاسيّما الشباب منّا؟ يجيب بدروشي: هذه مهمة المناضلين العرب، يجب أن يقوموا بعمل كبير لايقتصر على حدود بلدانهم بل يجب أن يتعداها إلى الدول الأخرى، مثل وجود وفد من النخوة العربية في دمشق للتّواصل مع الشعب السوري في كل المحافظات لنعرفهم على نشاطاتنا التي كنا نقوم بها من أجل سورية ويعرفوا كم نحن فخورون بهم وبجيشهم الباسل، في زيارتنا هذه التقينا طلاب مدارس وأقمنا نشاطات تفاعلية والتقينا بشباب من اتّحاد شبيبة الثّورة وعرفوا كم نحن معهم، قلنا لهم وأكّدنا أنّ العلاقات مقطوعة مع النّظام التّونسي وليس مع الشّعب، قلنا لهم إن الرئيس بشار الأسد هو قائد العرب وكل الشّرفاء الذين عندهم نخوة يتمنون لو أنّ الرئيس الأسد يمثّلهم، كلنا فخورون بالذي يفعله وليد المعلم وبشار الجعفري الذي يتحدث بكل قوة وشجاعة في مقر الأمم المتحدة.

وأضاف بدروشي: نحن في لائحة القومي العربي نعدّ أنّ معركة سورية هي معركة كلّ العرب، ولها الأولوية في قائمة مطالنبا بتونس، إنها قبل الفقر والأسعار والمشكلات الاجتماعية، أؤكد على ضرورة أن يلعب المناضلون العرب دوراً إيجابياً، نحن طلبنا من المناضلين في مصر إقامة اعتصام كل يوم أربعاء أو أي يوم آخر لكن للأسف لم يحصل ذلك، على المناضل العربي أن يعدّ القضية السّورية قضيته الأساسية.

وينبّه بدروشي من نسيان القضية الفلسطينية التي كانت سبباً رئيساً في الحرب الكونية على سورية، يقول: الفلسطينيون يقدمّون درساً عظيماً لكلّ المفاوضين والمعوّلين على اتفاقيات السّلام مع العدو الصّهيوني، لأنّ الشباب الفلسطيني والطفل الفلسطيني أسقط كل هذه المؤامرات، يجب ألّا ننسى لماذا أُنشىء الكيان الصهيوني، في أي بلد يوجد خونة لكن هل نبيع البلد بسببهم؟ لا أحد يمكن أن يفرط بفلسطين لأنها ملك لكل الأجيال السابقة والقادمة.

انتصار سورية، انتصار العرب لعروبتهم وقضيتهم، لكن هل سيدفع السياسات العربية إلى تغيير موقفهم من سورية؟ يوضّح بدروشي: لا محالة أنّهم وصلوا إلى درجة من المهانة والذّل مع الأمريكان وشعروا أنّ رجوع سورية يحميهم لأنّ السعودية وصلت إلى الدرك الأسفل، والكلّ يعرف أنّ عودة سورية تمنع عنهم بعض ذلّهم الذي أصابهم.

ت: محمد فندي

طباعة

عدد القراءات: 5