إن نظرة بسيطة إلى سجل تاريخ العالم العربي وحركة تحرره الوطنية والقومية، وتكوين دوله بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وتطور كياناته السياسية، تدل بشكل واضح على أن الاستقلال الذي تحققه دولة عربية عن الاستعمار وهيمنته سيبقى معرضاً للانتهاك وستبقى أراضي هذه الدولة عرضة للاحتلال والعدوان من القوى الاستعمارية نفسها التي مُنيت بالهزيمة، وذلك مادامت تحيط بها كيانات سياسية مجاورة تصادر قوى الاستعمار قراراتها وتكون قادرة على توظيفها ضد استقلال وسيادة هذه الدولة، وهذا تماماً ما يحدث حين نسترجع تجربة بعض الدول العربية في هذه الظروف وبعد عقود على استقلالها مثل سورية ومصر والعراق والجزائر في الخمسينيات والستينيات، فحين أدركت قوى التحرر السورية والمصرية هذه الحقيقة وقررت تأسيس الجمهورية العربية المتحدة عام 1958- رداً على حلف بغداد الذي هدف إلى محاصرة سورية- سارعت قوى الاستعمار لمحاصرة هذه التجربة الوحدوية، ووظفت بعض كياناتها السياسية التابعة لها لمساعدتها على إجهاض هذه الوحدة، ومنع تطور أي علاقات وحدوية أو تضامنية بين الدول العربية، لحماية مصالح هذه الأمة ومستقبلها، وكانت قوى الاستعمار نفسها بالمرصاد لأي توجه أو خطوة وحدوية أياً كانت، وقد كانت بريطانيا أثناء وقبل الحرب العالمية الثانية تحتل معظم البلدان العربية باستثناء ما كان مستعمراً من فرنسا..
وفي عام 1942 في أوج أحداث الحرب العالمية الثانية قررت حكومة بريطانيا استمالة بعض العرب للمشاركة في حربها ضد ألمانيا وإيطاليا في المنطقة.. ومع تطور أحداث الحرب وبداية انتصار الحلفاء على ألمانيا وإيطاليا عام 1944 جمعت الحكام الذين عينتهم ملوكاً في الحجاز ومصر والعراق والأردن والمملكة المتوكلية اليمنية، وكانت مجمل أهداف بريطانيا التنكر لحق الشعوب العربية بوحدة مستقلة عن الاستعمار وهيمنته، ولم تكن سوى سورية ولبنان دولتين بنظام جمهوري، بينما فلسطين تحتلها القوات البريطانية.
وطوال فترة نضال الحركة الوطنية والقومية التي خاضتها الدول العربية المستقلة في الستينيات والسبعينيات، وازدياد عددها بعد استقلال دول المغرب العربي وانضمامها للجامعة العربية، حاولت هذه القوى فرض جدول عملها التحرري التقدمي لحماية استقلال ومصالح الأمة إلى أن تحولت الجامعة- بعد أحداث ما يسمى «الربيع العربي» والحرب الإرهابية على سورية- إلى أداة رئيسة في هذه الحرب وضد مصالح شعوبها بسبب هيمنة القرار الأمريكي البريطاني الفرنسي عليها، وأصبح القرار الذي تتخذه الأنظمة الرجعية العربية في الجامعة ضد سورية وحلفائها ينتقل إلى نيويورك لتوسيع دائرته على يد الولايات المتحدة، وبرغم كل هذه الحرب وأشكال حصارها العربية والإقليمية والدولية انتصرت سورية وحلفاؤها على كل ما وضعه الحكام المتحالفون مع واشنطن في هذه الجامعة من أجندات أمريكية– إسرائيلية.
وفي يومنا هذا وبعد استعادة سورية قدراتها العسكرية والسياسية ودورها القومي، هل ستبقى الجامعة العربية تحت قيادة هؤلاء الحكام، أم آن الأوان للدول العربية الوطنية التقدمية لتفرض جدول عملها لتعزيز استقلال الجامعة عن هيمنة الولايات المتحدة؟
إن تحقيق مثل هذه الغاية سيشكل مصلحة لشعوب هؤلاء الحكام أنفسهم الذين تفرض عليهم واشنطن أجندات توظف فيها أموال ثروات بلادهم الطبيعية لمصلحتها وضد مصلحة جميع الدول الشقيقة، بل تستغل ذلك في تأجيج النزاعات في ساحتهم نفسها، مثلما يحدث بين قطر والسعودية والحروب التي تشن من أجل تقسيم اليمن وليبيا وسورية والعراق..
أما سورية فلن تخسر شيئاً من عدم مشاركتها حتى الآن في جامعة لا تزال تتحكم في قراراتها الهيمنة الأمريكية، رغم أنه كان من الممكن أن توحد الموقف العربي وتولد تضامناً عربياً ولاسيما ضد الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية الفلسطينية وأراضي الجولان العربي السوري المحتلة.. وبغياب هذا الدور للجامعة فإن بدائلها أصبحت تفرض نفسها على شكل محور المقاومة واتساع إطاره ليشمل- إضافة إلى سورية وإيران والمقاومة الفلسطينية واللبنانية- العراق، ويتحول إلى قوة إقليمية كبرى مناهضة للهيمنة الأمريكية وقادرة على حماية مصالح شعوبه وبقية الشعوب العربية، فقد هزم هذا المحور ما يسمى التحالف الدولي وتحالف الحكام الرجعيين الذي بدأ الخلاف والانقسام يدب بينهم، بينما تزداد في المقابل قوة ومتانة علاقات محور المقاومة على المستوى السياسي والدفاعي والاقتصادي شهراً تلو آخر، ليشكل قاعدة مستقلة لكل دولة تتفاعل معه، لحماية مصلحة شعبها ومصادر ثرواتها.

طباعة

عدد القراءات: 5