بشكل عام، عندما يغضب المصريون (كنموذج من الشعب العربي) بسبب ظروف مادية أو معنوية متدهورة تسببت فيها تصرفات وسياسات حكومية ملتزمة بسقف عمل أجندات مؤسسات المال الغربية، فهم في النهاية يستاؤون من الأعراض ويعجزون عن تحديد الأمراض.. دور النخبة المفترض هو التشخيص السليم والإشارة إلى جوهر السياسات التي يجب تغييرها، لكن ما يجري منذ أعوام هو أن كتائب «الإخونج» والليبراليين الجدد (والدوحة وأنقرة من خلف الفريقين) تقوم بتقديم التشخيص الخاطئ لأنه يتفق مع أجندتها، وذلك بغرض توجيه غضب الناس المشروع بما يتفق مع المصالح الغربية، أو بما يتجنّب الصدام أيضاً مع تلك المصالح.. فتصير مشكلات مصر، في زعمهم، تتمثل فيما تبقى من مصانع ومؤسسات وشركات عامة نجت من الخصخصة.. أو في الهامش المتبقي من دور الدولة والاقتصاد.. أو في كون مصر جمهورية وليست ملكيّة تتوارث فيها عائلة الحكم!.. أو في تحررها من الاحتلال الإنكليزي وانخراطها في أمتها العربية.. أو في الجينات ذاتها وكون المصريين مصريين عرباً في شمال إفريقيا، وجلودهم غير بيضاء تماماً وعيونهم ليست خضراء في العموم!.. أو في منجزات ثورة تموز 1952 التي لم يهاجمها أحد قدر إعلام أنور السادات وحسني مبارك!..أما الذين يكشفون منهم عن تطرف ورجعية وطائفية، فإنهم يعتقدون بأن الأمراض التي تتسبب في تدهور الأحوال المادية، متعلقة بأزياء السيدات، أو وجود فنون سينمائية، أو لأن الإذاعة تبث موسيقا وأغنيات، أو لأن هناك قدراً من المواطنة والمساواة بصرف النظر عن خلفية الشخص الدينية!..
أتذكر فيما بعد كانون الثاني 2011 شهادة خاصة من أحد المثقفين المصريين حين أخبرني أن عدداً من الفضائيات العربية المهيمنة التابعة لأنظمة بعينها، لا تسمح لأي مصري أو عربي مؤيد للإطاحة بمبارك، بالظهور على شاشتها إلا لو اطمأنت إلى أنه سيروّج لكون مشكلات مصر لها 6ص0 عاماً، أي مرتبطة بتموز 52، وليست مرتبطة بالنظام الذي حكم مصر أربعين عاماً وكان حليفاً لها، وذلك حتى يتوجه الغضب باتجاه مشروع ناصر الذي ترفضه تلك الأنظمة وما خلفها من عواصم غربية، ويتم إغماض العيون عن مناهضة أشياء مثل: التبعية، كامب ديفيد، الخصخصة، الرأسماليات الغربية التي تنهش السوق المحلي، والانسلاخ من العروبة الذي أضعف مصر كثيراً وترك الساحة خالية أمام القوى الرجعية.
وربما كان مثل تلك التدخلات، إضافة للنشاط المحموم والمتراكم للمنظمات المموّلة غربياً، هو السبب المبكر في كون الخطاب المعارض الطافي على السطح منذ ما بعد احتلال العراق تقريباً، يبدو وكأنه منسوخ كله عن بعضه، محصور في زاوية الحرب على الفساد والعمل على خفض صلاحيات الرئيس، ويتحاشى بكل الطرق الإشارة للحلف الصهيو- أمريكي المعادي، ويندر فيه أن تجد لفظة «الاشتراكية» أو إعلان عن تأميم، على الأقل، للمصالح التي نُهبت وتم تفتيتها تحت شعار الخصخصة، أو برنامج ما لتحقيق الوحدة العربية لكونها من شروط النهضة وحيازة القوة.

*كاتب من مصر

print