استقطب مؤتمر وارسو الذي دعت إليه الولايات المتحدة تحت شعار «مؤتمر السلام والأمن في الشرق الأوسط» اهتماماً إعلامياً، قبل انعقاده، عندما عارضت دول الاتحاد الأوروبي المشروع الأمريكي الأصلي الساعي إلى جعله مؤتمراً مختصاً بالعداء لإيران، وتلميح الكثير من الدول الأوروبية إلى إمكانية عدم مشاركتها فيه، بعد المؤتمر؛ نال المؤتمر قسطاً جديداً من الاهتمام الإعلامي، خاصة العربي، والسبب لا يعود إلى تراجع أوروبا عن موقفها ومشاركتها في المؤتمر، ولكن بسبب اللقاءات العلنية بين عدد من المسؤولين العرب والإسرائيليين.
في النظرة السطحية الأولى يمكن القول إن المؤتمر حقق المطلوب، وذلك اعتماداً على ثلاثة معطيات:
1- تراجع أوروبا عن مقاطعتها، ومشاركة جميع دول الاتحاد الأوروبي في المؤتمر.
2- اللقاءات العربية- الإسرائيلية، ودخول حكومة هادي على خط التطبيع التي تعد من وجهة النظر الأمريكية خطوة نحو «السلام والأمن».
3- التسريبات التي أظهرت «دعماً عربياً» لمواقف «إسرائيل» وعدوانها على فلسطين وسورية ولبنان، والتأكيد على «أولوية الصراع مع إيران»، وتراجع الصراع العربي– الإسرائيلي (إذا كان قد بقي هناك صراع من وجهة نظر المجتمعين في وارسو).
لكن الناظر بعمق وتأنٍ إلى ما حدث في وارسو سيخلص إلى أن المؤتمر فشل قبل انعقاده، وأن المسرحية الإعلامية هدفت إلى تسجيل انتصارات وهمية لبعض الحضور، وخاصة بنيامين نتنياهو الذي يواجه انتخابات قريبة، ويتعرض لضغوط كبيرة في الداخل. فلكي ينعقد المؤتمر، اضطرت الولايات المتحدة إلى تغيير عنوانه من العداء لإيران، ليصبح «ملف السلام والأمن في الشرق الأوسط»، لضمان المشاركة الأوروبية. وبرغم نجاح هذه الخطوة في استقطاب مشاركة جميع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، لكن ممثل ألمانيا أكدّ موقف بلاده المعارض لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وكذلك اقتصرت مشاركة وزير الخارجية البريطاني على حضور حفل الافتتاح، والجلسة المخصصة لبحث الأوضاع في اليمن، ولم يشارك في أي فعالية معادية لإيران.
هذا الموقف الأوروبي، برغم ارتباطه الوثيق بالخلاف مع الولايات المتحدة حول الشأن الإيراني، لكنه مرتبط بخلاف آخر بعيد عن أنظار الإعلام يتعلق بمكان عقد المؤتمر، أي العاصمة البولندية وارسو، تجد دول الاتحاد الأوروبي في اختيار وارسو محاولة لشق الصف الأوروبي الذي يتخذ موقفاً موحداً فيما يتعلق بالشأن الإيراني، ومجموعة قضايا أخرى على رأسها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فأوروبا التي أعربت، بشكل موارب، عن قلقها من المخططات الأمريكية على لسان منسقة الأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فديريكا موغريني، بحديثها- في سياق تعليقها على مؤتمر وارسو، عن أهمية المحافظة على وحدة وتماسك أوروبا- تنظر بريبة إلى النيات الأمريكية بشأنها.
يعتقد الأوروبيون أن إدارة ترامب، تقوم باستغلال رغبة بعض دول أوروبا الشرقية بتمتين تحالفها مع الولايات المتحدة من خلال السماح لها بإقامة قواعد عسكرية محاذية لروسيا، لكي تحقق هدفين: أحدهما خارجي وهو إعطاء الولايات المتحدة فرصة لوضع المزيد من الضغوط على روسيا.. وآخر داخلي، وهو إعطاء إدارة ترامب سلاحاً تواجه به طموحات الديمقراطيين في إسقاط ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة، وترص صفوف اليمين السياسي والشعبوي الذي أيد ترامب في الانتخابات الأخيرة، لقد أوضح رئيس الوزراء البولندي موقف بلاده، عندما طالب بإنشاء قاعدة عسكرية على أرض بلاده، واقترح تسميتها «ترامب فورت» أي «حصن ترامب». كما يعتقد الأوروبيون أن الولايات المتحدة لا تلقي بالاً إلى المحافظة على الوحدة الأوروبية، بل إن إدارة ترامب تسعى إلى تفتيت هذه الوحدة، وهو ما تجلى في موقف ترامب من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
في موازاة ذلك بلغت الحماقة بولي العهد السعودي حد إطلاق تصريحات بالحرب ضد إيران، وصياغة سيناريو يحاكي هجوماً عسكرياً سعودياً على إيران.
أما ما عدّ اختراقاً جديداً لمحور التطبيع الذي مثّله جلوس وزير خارجية منصور هادي إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فهو وإن كان للوهلة الأولى يبدو حَدَثاً جديداً، لكنه يطرح تساؤلاً مشروعاً؛ ماذا كنا ننتظر من وزير خارجية حكومة تُسَلِطُ الموتَ والمرض والمجاعة على شعب تدّعي أنها حكومته الشرعية؟ لم يحضرني وأنا أشاهد وزير خارجية هادي، إلا قصة «حنون» الذي لا تتجاوز قيمته خردلةً.
لقد أخطأت وسائل الإعلام عندما أعطت كل هذا الاهتمام لمؤتمر وارسو، ومنحته إنجازاتٍ لم يحققها، وجعلت من نتائجه تحقيقاً لأهدافِ «الربيع» الرأسمالي المسموم الذي دُحر وتَمَرغْ أنفُه بالتراب على أرض سورية، وعلى يد جيشها الباسل وقوات المقاومة.

*كاتب من الأردن

print