“عندما كنا نجتمع كلجنة تقييم الأعمال المتقدمة للمشاركة في معرض الخريف، كانت تأتينا أعمال غير جيدة ودون المستوى المطلوب وكنّا نرفضها، لكنّ الراحل الدكتور حيدر يازجي كان يبحث ليجد فيها شيئاً جميلاً ويحاول إقناعنا بها، وأخيراً كان يقول: لانعرف ظروف هذا الفنان وكم دفع من المبالغ لشراء أداوته وربّما لايملك ثمن طعامه” هذا هو الجانب الإنساني الذي ركّز عليه الدكتور إحسان العر رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في سورية وعميد كلية الفنون الجميلة في ذكرى ميلاد الفنان الرّاحل الدكتور حيدر يازجي ـ 17 شباط ـ الذي كان موعداً للقاء الأحبة والأصدقاء والزّرع الجميل الذي زرعه طوال مسيرته المهنية والفنية والإنسانية، يضيف العر: علاقتي به مرت بثلاث مراحل، الأولى: تعرّفت عليه أول مرة في عام 1980 عندما كان أستاذاً في كلية الفنون الجميلة وكان معروفاً بأناقته، والثّانية عندما كنت أؤدي الخدمة العسكرية حيث كان ومجموعة من الفنانين التّشكيليين ينفذون لوحات صرح الجندي المجهول وكنت المسؤول عن إيصال الألوان وكلّ مايحتاجونه في عملهم هذا، ثمّ شاءت الأقدار وانتخبت نائباً له في رئاسة الاتحاد منذ عام 2010 إلى عام 2014 عام رحيله، سيرته المهنية والفنية طويلة وكبيرة ومهمة جداً من الصّعب اختصارها في صفحات وسطور قليلة.

بدوره، يقول النّاقد سعد القاسم: كانت لحظة قاسية عندما بدأ اجتماع لجنة معرض الخريف السّنوي بالحديث عن حيدر يازجي بدلاً من الحديث معه، فهذه المرة الأولى التي اجتمعت فيها لجنة معرض الخريف من دونه، إنها المرة الأولى التي سيغيب فيها عن معرض الخريف، لقد زامن يازجي كل الأعضاء الذين تناوبوا على اللجنة وكان له مساهمة كبيرة في العمل النقابي، وتمتّع بشخصية دمثة ومحبة وموضوعية في تقييم الأعمال الفنية المتقدمة للمشاركة في المعرض، كما تمتع بحيادية تجاه أساليبها المختلفة بما فيها تلك التي تتباين مع أسلوبه الشّخصي كفنان واقعي يلتزم بالمفاهيم الأكاديمية لفن التصوير، مبيناً: يمتاز أسلوبه بمتانة الخط وقوة التّكوين واستقرارها، إضافة إلى شفافية لونية حمّلت لوحاته التي نفّذها في روسيا تأثيرات تتراوح بين ألوان بانييه الأب الروحي للانطباعية وعدد من الفنانين الروس المعاصرين لنشوء الانطباعية مثل لوحة “الانتظار” و”العرين” و”عند البحيرة” التي رسم فيها زوجته، وتمتلك لوحاته التي صممها في سورية مسحة محلية مثل لوحة الشّاعر سليمان العيسى، ولابدّ ان نذكر أيضاً اللوحات التي رسمها بقلم الرّصاص والفحم والتي تكشف مهارته ومقدرته العالية في الرسم ولاسيّما الوجوه مايجعله رسام بورتريه متمكّن، وهذا لايقلل من أهمية لوحاته التي صور بها الطبيعة عبر غنائية لونية ساحرة، وعلى الرّغم من أنّ العمل النقابي استهلك الكثير من وقته وطاقته فإن إرثه الفني يضمّ أعمالاً متميّزة كانت تصور في غالبيتها مشاهد طبيعية خالية من البشر نستثني منها جدارية لوحة حرب تشرين التحريرية ومن ثمّ على صرح الجندي المجهول وفيها اختار عملية تحرير مرصد جبل الشّيخ وهي الصّورة الأكثر شهرة ورسوخاً في الذّاكرة، لقد امتازت سيرته الذاتية بالحيوية والنشاط والتنوع جعلته شخصية معروفة وذكرى للجيل القادم.

بالحب يحيا الإنسان وبه يرحل ولا يبقى إلا الأثر الجميل، يقول الفنان محمد غنوم: أهمية حيدر يازجي تأتي من كونه زرع الحب في كلّ مجال ومكان وجد فيه، سواء في السياسة أو الفن أو العمل النقابي، وهاهو اليوم يحصد نتائج هذا الزّرع، وهذا أهم شيء في الحياة، لأنّ زارع الحب لايموت أبداً ولا ينسى.
أعمال كثيرة ومهام كلف بها الراحل يازجي وكان أهلاً لها، ففي عام 1989 عُيّن مديراً عاماً للعلاقات العامة في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون وفي عام 2001 عُيّن مديراً للمركز الإذاعي والتلفزيوني في دمشق، يقول الإعلامي رياض رعد: لايكون الصديق صديقاً إذا لم يذكر صديقه في غيابه ومماته ومحنته، الراحل يازجي من الشخصيات الفنية القليلة التي لاتختصر بالكلمات لأنه نشر المعرفة في العقول والقلوب وكان قائداً مبدعاً في العمل ويمتلك مهارات تواصل وتاريخاً حافلاً بالتضحية والعصامية ليحقق أحلامه، معتزاً بعروبته من اللواء السّليب إلى حلب الشهباء فدمشق الفيحاء، عرفته مخرجاً في التلفزيون وكان سفيراً للوطن داخله وخارجه، عملنا سوية في برنامج “بنات الريح” وهو برنامج مختص بالأحصنة، لقد رسم بيديه كلّ حركات الحصان العربي، ولابد أن نذكّر بأنه أسس استديو الرسوم المتحركة بيديه أيضاً، لذلك الموت ليس فناء بل وجوداً أكثر ثبوتاً، فكيف يكون فناء وهو الذي ترك ألوانه الخالدة تهزأ بالرحيل، ليس المهم الموت بل المهم أثره فكم من ميت بيننا يتنفس وكم من خالد يتنفس تحت التراب.

أثناء دراسته في موسكو تعرف حيدر يازجي على سلوى عبد الله التي كانت تدرس الطب البشري هناك أيضاً، جمعهما الحب وأسسا أسرة صغيرة، تقول سلوى عبدالله: هناك أشخاص ولدوا حتى لايموتوا .. حيدر لايغيب، ما أريد قوله هو أنّ من يعيش مع حيدر يازجي يشعر وكأنه يعيد صياغته بشكل آخر يجعله محباً أكثر ومتسامحاً أكثر، يعلمه أنّ الحياة ليست بيضاء وسوداء بل كلّها ألوان وظلال ومعاني، وأنّ الرّمز الوحيد في الحياة هو الحب.

ت: يوسف البدوي

طباعة

عدد القراءات: 8