في سابقة هي الثانية في الوطن العربي بعد تونس، أقر مجلس الشعب السوري تعديلات على قانون الأحوال الشخصية صبّت في معظمها لمصلحة تعديل الموقف المجحف من المرأة الذي تقفه معظم قوانين الأحوال الشخصية العربية.
لعل الثغرة الأهم في جميع قوانين الأحوال الشخصية، هي الدور والسلطة اللذان تتمتع بهما وزارة الأوقاف في صياغة قوانين الأحوال الشخصية في العالم العربي، حيث تنفرد تونس بأنها الدولة العربية الوحيدة التي يعد فيها قانون الأحوال الشخصية من اختصاص وزارة العدل منفردة، بعد أخذ استشارات الجهات المعنية، مثل اتحادات المرأة، ووزارات التنمية الاجتماعية، واتحادات العمال مع دور محدود لوزارة الأوقاف.
رغم اعتراضنا على مضامين الكثير من قوانين الأحوال الشخصية في الوطن العربي، إلا أن المرء لا يملك إلا الاعتراف بأنها تعكس أنماط التفكير السائدة في المجتمعات العربية، ليس من الرجال فحسب، ولكن عند قطاع واسع من النساء أيضاً، يقول هشام شرابي في كتابه «النظام الأبوي وإشكالية التخلف في المجتمع العربي»: يقع حجر الزاوية في النظام الأبوي (والأبوي المستحدث) على استعباد المرأة، من هنا كان العداء العميق والمستمر في هذا المجتمع للمرأة، ونفي وجودها الاجتماعي كإنسان، والوقوف في وجه كل معاملة لتحريرها، لقد أصبح الموقف من المرأة علامة فارقة في وصف المجتمعات العربية ومحاكمتها من قِبل الآخرين، في حين يرى العرب أن موقفهم من المرأة إحدى ميزاتهم الحضارية!
تتميز المجتمعات العربية بموقف متحفظ تجاه المرأة، حيث يقتصر دورها بصورته المثلى على العناية ببيتها وعائلتها، هذا الموقف يختلط فيه الاجتماعي بالديني بشكل لا يمكن فصله.
يوضح تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية للعام 2002 أن حصة المرأة من مجموع النشاط الاقتصادي للسكان في الوطن العربي تبلغ 13% مقابل 32% في أمريكا اللاتينية و43% في شرق آسيا و42% في الدول الصناعية، وفي عام 2009 كانت نسبة مشاركة المرأة في الاقتصاد، في السعودية 12.5%، وفي الأردن 14%، وفي فلسطين 12.1% (حسب خلود دعيبس، وزيرة العمل الفلسطينية، خلال ورشة عمل عقدت في رام الله).
أما في سورية- وفي دراسة أجراها الدكتور حسين الفحل من كلية الاقتصاد في جامعة دمشق- فتبين أن المرأة تمثل نسبة 50% من القوى القادرة على العمل وحوالي 62% من الجامعيين في القطر وتشكل 29% من مجموع القوى العاملة.
إن السياسات المعزّزة لدور المرأة التي تنتهجها معظم الأنظمة العربية لم تنجح في تغيير وضع المرأة الذي ما زال يراوح مكانه في أفضل الحالات، مع قناعتنا بأن النظرة إلى المرأة تأخذ منحى أكثر رجعية والموقف منها يصبح أكثر تزمتا وتطرفا لأسباب عدة يمكن أن نوجزها فيما يلي:
* معظم السياسات الرسمية العربية في قضايا المرأة مفروضة ضمن وصفات دولية ولا تستند إلى فهم حقيقي للواقع وتحدياته.
* القائمون على تطبيق هذه السياسات لا يؤمنون بها أصلاً لأن الطبقة الحاكمة العربية ليست سوى تحالف بين قوى رجعية وكمبرادور ورأسمالية طفيلية غير وطنية، وهي تعمل سراً وعلانية على إفشال أي تغيير اجتماعي حقيقي لما في ذلك من تهديد لمكانتها وسلطتها.
* الشعور العام لدى معظم المواطنين العرب أن السياسات المتعلقة بالمرأة يتم تبنيها لإرضاء الدول الغربية، يجعل هذه السياسات غير شعبية نهائياً، كما أن إناطة مشاريع تعزيز دور المرأة وتمكينها بمنظمات وبرامج دولية (NGOs) يعزز الريبة التي يحملها المواطنون تجاه هذه السياسات، ناهيك بطرح قضايا تعد تابوهات لا تمس؛ مثل حقوق المثليين، ولا تشكّل هذه القضايا أولويات حقيقية داخل المجتمعات العربية، بقدر ما تؤدي إلى إعاقة الجهود الموجهة إلى هذه الأولويات.
* معظم الشعوب العربية ترى أنها شعوب محافظة وترى ذلك ميزة اجتماعية ودينية، فأغلبية المواقف الرجعية تجاه المرأة تنطلق من مسوغات دينية أو شرعية مثل منع الاختلاط، وتحريم الخلوة بين الذكر والانثى، إضافة إلى مجموعة من المفاهيم الاجتماعية مثل المحافظة على الشرف، ومعظم هذه المفاهيم تحوي مضامين مطاطة يمكن ليّها دائماً لمصلحة مواقف أكثر تشدداً.
* إن الشخصية العربية الحديثة، ونتيجة عهود طويلة من القمع والاستبداد، أصبحت على الأغلب شخصية انطوائية مشككة لا ترغب في التغيير وتقاومه لإيمانها من خلال التجربة بأن التغيير يكون دائماً نحو الأسوأ.
من هنا جاء الاهتمام بالخطوة التي قامت بها الجمهورية العربية السورية بتعديل قانون الأحوال الشخصية، فسورية خاضت حربها الوطنية الكبرى على مدى ثماني سنوات، وهي حرب وقفت فيها المرأة جنباً إلى جنب مع الرجل في ساحات القتال كما في ساحات العمل، بل إن دورها الاجتماعي تعاظم في غياب الرجال عن المنزل والعمل لمصلحة وجودهم في ساحات المعارك، فكانت النساء وراء تشغيل الاقتصاد، والحفاظ على كيان الأسرة، فهل يعقل أن تتساوى المرأة مع الرجل في الشهادة في ميدان المعركة، وتكون شهادتها بنصف شهادته في ميدان القضاء؟
إن سورية التي تنفض عنها غبار حرب آثمة وحشية، تقدم للأمة فرصة حقيقية لإصلاح قوانين الأحوال الشخصية وكل القوانين التي تكون ضد المرأة، هذه الفرصة ليست نابعة من إملاءات منظمات المجتمع المدني، وضغوطات اللوبيات المشبوهة، ولكن من أرض سورية ونضال شعبها. سورية التي بدأت معركة إعادة الإعمار التي يمكن عدّها المرحلة الثانية من الحرب وتشتمل على المزيد من تحرير الإرادة السياسية والاقتصادية، وترسيخ بناء الدولة الحرة ذات السيادة. كل هذه الأهداف لا يمكن بلوغها من دون إعطاء الأولوية لقضية التحرر الاجتماعي، التي تشكل قضية المرأة حجر الأساس فيها.
خطوة في الاتجاه الصحيح، قام بها مجلس الشعب السوري، فكل أحرار الوطن العربي وربما العالم ينظرون اليوم إلى سورية كمثال يقودهم في معركة التحرر بعد أن قادتهم في معركة الحرية.

كاتب من الأردن

طباعة
عدد القراءات: 4