كل من يكفر في العروبة من جراء تآمر وخيانة ورجعية بعض الأنظمة، يقدّم أفضل خدمة لتلك الأنظمة، لأنه يترك الساحة العربية خالية لها، لتفعل فيها ما تشاء، وتعيد أذيّته عبرها.. ويختار بنفسه التقوقع والانعزال خلف سور وهمي اسمه «إنكار العروبة» وأنت مهما أنكرت ستظل في الواقع الآني: عربياً، بالضبط كما لو أنكرت إنسانيتك ستظل إنساناً، لأنها حقائق لا مفر منها، فلن يتغيّر لسانك ولا تاريخك ولا موقعك الجغرافي ولا موروثك الديني ولا أولئك المحيطون بك ويؤثرون فيك ويتأثرون بك (حصل «الربيع» في تونس، فانقلبت مصر رأساً على عقب). مصر عندما اختارت الساداتيّة نهجاً، وتأففت من عروبة ناصر وخطابه القومي، بقيت كما هي عربية، لكنها صارت تابعة وهزيلة، بعد أن كانت قائدة ومتبوعة، وكل قُطر عربي يهجر عائلته، سيتحول أوتوماتيكياً إلى لقيط يتسوّل الحماية من القوى الأجنبية. الناس تبحث عن عوامل الوحدة، وتبحث عمّا يمكن أن يُقرّب، وأنت لديك تلك العوامل القومية، التي تجعلك على موقع زوكربرغ «فيس بوك»، كسوري أو كمصري، صديقاً وبسهولة ومن أول أسبوع للتونسي والعراقي والجزائري واليمني، بينما قد تبقى سنوات وعقوداً وقائمة الأصدقاء لديك خالية من يوناني أو تركي أو أفغاني.. وعوضاً عن البناء على تلك العوامل القومية، للسعي لوحدة تخدم الطبقات الشعبية (وهي لن تخدم سواهم، كما لن تتحقق إلا بهم، وبمناهضة منظومة الرأسمالية العالمية، وذلك لأن البرجوازية العربية رثّة وتابعة وانسلاخيّة ولن تُنجز رأسمالية كاملة أبداً، ولأن المنظومة العالمية هي ضد الوحدة لأنها تؤذي مصالحها الاقتصادية والسياسية).. عوضاً عن ذلك نهرب منها، ونبحث عن وسائل لإنكارها ومحوها ونتعالى عليها.. ونطلق الرصاص على الخطاب القومي العربي داخل الوطن العربي لأنه في سياقه الحالي وحدوي ومعاد للإمبريالية، بينما نتورط في تمجيد كل خطاب قومي أو قوماوي آخر لأنه يفتت ويُشرذم على مستوى البلد الواحد نفسه، ويقسّم الأقطار العربية ذاتها، ويخدم مصالح الإمبريالية ويتعاون معها ويتموّل منها!.
ومتابعة لهذا الطرح.. فقد دار هذا الحوار يوماً ما، وملخصه أنّه تمت مواجهة أحد خادمي مشروع «العثمانية الجديدة»، بأن الجزائر، كمثال عربي جيّد، لا تجمعها أي علاقات بالعدو الصهيوني، وأنها لا تعترف أساساً بـ«إسرائيل»، وأنه لم يزرها أي مسؤول صهيوني، كما لم يقم أي (مسؤول رسمي) جزائري بزيارة «إسرائيل».. وأن موقفها بذلك أفضل ألف مرة من موقف تركيا، التي تملك علاقات من كل نوع مع الكيان، وقد تم بناء تلك العلاقات وتعزيزها في زمن الإسلاموي الأول عدنان مندريس في الخمسينيات.. وأن لها سفارة هناك، وأن أردوغان زار الكيان وقبر هيرتزل في 2005.. وأن شيمون بيريز زار أنقرة كرئيس للكيان في تشرين الثاني 2007، وذلك رغم أن تركيا، بالمناسبة، أقرب جغرافياً لفلسطين المحتلة، بما لا يقارن بالجزائر.
فردّ قائلاً، إن الجزائر عربية وهذا واجبها، ولزام عليها، وأن المقياس ليس بالقرب أو البُعد الجغرافي، وإنما هناك عامل قومي، وتجب مراعاته. وهذا تقريباً ما كنّا ننتظره، لنقول: حسناً، إذاً هناك شيء اسمه عروبة، وهي عامل حاسم، وصالح لأن تُمدح على أساسه أو تُتهم، وعلى هذا الأساس أنت تسوغ لتركيا ما لا تسوغه لغيرها، ولذا أيضاً، عندما تتقارب أنظمة عربية مع الكيان فإننا نتهمها وندينها، لكن عندما تفعل ذلك دولة غير عربية، فإننا لا نهاجمها بالأسلوب ذاته..
إذاً.. فلماذا وأنت عربي، تلتف في مناسبة أخرى، فتُنكر العروبة.. وتتهكّم عليها؟!.. ولماذا تُعلن أنك فخور بكونك تابعاً وأجيراً لأنقرة، على أن تكون عربياً، وتفاخر بمواقف «العدالة والتنمية» تجاه فلسطين، وتجافي الحقيقة لتعدها أفضل من عموم العرب؟!.. علماً أنها لم تقدّم رصاصة واحدة للمقاومة كما فعلت ولا تزال تفعل دمشق.. وعلماً أنه ما زالت أغلبية الأقطار العربية، ورغم الهجمة الأمريكية منذ 2003، ومروراً بـ«الربيع» لا تعترف بالكيان رسمياً.. طبعاً غضبنا من هرولة بعض الأنظمة نحو التطبيع، ومن دون أن يحجبنا غياب الاعتراف الرسمي عن رؤية الاعتراف الذي يحصل بحكم الأمر الواقع الناتج عن العلاقات التجارية والزيارات.
أما لو ثبتنا العامل الأممي فيما يخص فلسطين، فإن موقف كوريا الديمقراطية التي لم تعترف مطلقاً بالكيان الصهيوني.. وكوبا التي قطعت العلاقات وسحبت اعترافها في 1973.. وإيران التي سحبت اعترافها بعد الثورة في 1979.. وفنزويلا وبوليفيا اللتان قطعتا علاقاتهما بالكيان، وعدد من الدول الإسلامية الآسيوية التي لم تمنح الاعتراف بالكيان يوماً.. هي من تستحق النظر لها بعين التقدير وليس «العثمانيين الجدد».

كاتب من مصر

طباعة
عدد القراءات: 3