اكتشفنا النار.. رسمنا على جدران الكهوف حكاياتنا.. نجونا من الهلاك بأن عرفنا كيف نتقاسم الحماية، كما نتقاسم الأكل والشراب والفرح والأحزان الطويلة.
تصحُّ هذه الجملة بداية لكتابة تاريخ البشر أينما كانوا.. تصحّ على شعب ما قبل التاريخ والعصر الحجري وشعوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية وشعب ما بين النهرين وفراعنة مصر.. لكنها تصحّ علينا أيضاً. علينا نحن السوريين الذين نجونا من أشرس المعارك في هذه الحرب. ومن «عضّات» البرد وقلّة الحيلة وانقطاع الطرق بسبب تراكم الأحزان. من الغرق والفيضانات بعد أن امتلأت «خزّانات» الروح بالفقدان… لكننا نجونا لأننا اكتشفنا على ما يبدو «عشبة الصبر» بدلاً من عشبة الحب الأبديّ أو «عشبة الخلود» أو «أكسير الحياة الخالدة».
تقول الأغنية: «اصبر يوماً آخر بعد؛ وستنقلب الأمور لمصلحتك إلى الأبد».. وها نحن صابرون وصامدون بل، ونصرّ على اقتناص أي لحظة فرح ولو مرّت على جناح نسمة أو حملتها غيمة عابرة أو تبدّت في عيون الشآميات الناعسة التي نمرّ بهنّ في شوارع الشام، وصبرنا لأن الأمور هي هكذا، هي «أن نكون أو لا نكون»… أن نختار بما تبقّى فينا من أنفاس ما يبقينا على قيد الإنسانية والفطرة والمحبة.
فيا أيها المعنيون الشرفاء. أيها المسؤولون ذوو الهمّة والإخلاص.. قولاً وفعلاً وعملاً ميدانياً… لا تتركوا غيلان الحرب وسماسرة التجارة وفاقدي الأخلاق يحشروننا بين خيارين: «أن نكون فماً أو لقمةً»، بين «أن نكون صيّادين أو نكون صيْداً».
تقول الحكاية: «كان يا ما كان بردٌ زمهرير، وفقيرٌ يقف في الشارع بثياب ممزقة، مرّ به رجلٌ ثريٌ وقال له: ألا تشعر بالبرد؟ رد الفقير: بالتأكيد يا سيدي، فأكمل الثري طريقه وقال له: سأرسل لك معطفي لتتدفّأ به. ثم مرّت ليلةٌ عاصفةٌ أطاحت بالفقير الذي لم يصله المعطف فكتب بالفحم على قطعة خشب: «أيها الذي وعدتني بالمعطف. بقيتُ سنوات ولم يقتلني فقري. بل قتلني وعدُك لي».

طباعة

عدد القراءات: 6