هدوء على جبهات ترامب قبيل عاصفة إغلاق حكومي جديد، سيكون فيه ترامب أكثر تسلطاً وتحرراً من قيود خصومه الديمقراطيين الذين نالوا منه بشدة عبر منعه من إلقاء خطاب حال الاتحاد، وإرغامة على: أولاً التراجع عن الإغلاق السابق مقابل السماح له بإلقاء الخطاب (الثلاثاء الماضي).. وثانياً، إرغامه على ابتلاع لسانه السليط (خلال الخطاب) ليعتمد لغة «تصالحية» أول مرة، خالية من الهجوم والانتقادات، حتى بدا وكأننا نشاهد ونسمع ترامب آخر. ونحن هنا نتحدث عن جبهاته الداخلية وليس الخارجية، إذ حافظ ترامب على مستوى التصعيد نفسه، باستثناء الموقف تجاه كوريا الديمقراطية، معلناً أن القمة المقبلة مع زعيمها كيم جونغ أون ستكون يومي 27 و 28 شباط الجاري في فييتنام.
مع ذلك، وفي اليوم التالي للخطاب، انطلقت الانتقادات في إثره، ومن الجميع.. لتعود الصورة ذاتها: ترامب المختلف مع الجميع والمحاصر من الجميع، باستثناء قلة لا تكاد تتجاوز أصابع اليد الواحدة – من أمثال وزير الخارجية مايك بومبيو – ترى أنه حقق الازدهار والأمان للولايات المتحدة.
ودائماً تبرز الأسئلة نفسها: أين تكمن النقطة الرئيسة في الصراع الدائر بين ترامب من جهة، ومؤسسات الرئاسة الأمريكية من جهة أخرى.. هل هي في سياسات ترامب التي توصف بالعشوائية والفوضوية، أم لأنها معلنة «زيادة عن اللزوم» وبما سيرتد بصورة كارثية على الولايات المتحدة على المدى المنظور وليس البعيد.. ولماذا يبدو ترامب ممتلكاً زمام الصراع (الداخلي) برغم أنه يكاد يكون وحده.. هذا ليس دفاعاً وإنما عرض للوقائع ربطاً بالكثير من التشابكات والتعقيدات التي تحفل بها السياسات الداخلية الأمريكية، وبنوع العلاقة التي تحكم الرئيس مع بقية المؤسسات التي لها كلمة لا تُرد، ولكنها حتى الآن تخفق في حشر ترامب في الزاوية، أو في بناء أساس متين لعزله، أو لتهديد حظوظه في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
أين السر؟
«إنه الاقتصاد يا غبي» هذه العبارة الشهيرة التي كانت عنوان فوز بيل كلينتون على جورج بوش الأب 1992.. هذه العبارة هي شعار ترامب الذي يرفعه في مواجهة ما يسميه «الحروب الحمقاء» مُبشراً بحروب من نوع جديد تقودها الولايات المتحدة، وتكسب فيها من دون أن تدفع أو تخسر دولاراً واحداً.
هذا لا يعني أن ترامب مختلف عن أسلافه.. الاختلاف فقط في التنفيذ.. ولناحية من يتقدم أولاً: الاقتصاد أم السياسة، في سبيل أن تستمر الهيمنة الأمريكية؟
ترامب يراها في الاقتصاد على عكس خصومه ومنتقديه الذين يرون أنه يقود أمريكا إلى الهاوية، ويحاججونه بخريطة عالمية جديدة – اقتصادية تحديداً وعمداً- وهي ليست في مصلحة الولايات المتحدة.. ويبدو أيضاً أن ترامب لم تأته «أحاديث الاقتصاد» الأخيرة بين روسيا والصين والهند وإيران وألمانيا التي تتقارب وتتوحد لإنهاء هيمنة الدولار لمصلحة عملاتها الوطنية.. وإذا ما استمر الحال كذلك أو توسع، فهذا يعني أن الدولار سيتحول بدوره إلى عملة وطنية وليس عالمية، وهذا يكفي لسقوط أمريكا كقطب عالمي وحيد.. ولن يفيدها كل ما يقوله ترامب عن «المعجزة الاقتصادية» التي حققها للأمريكيين.

في الـ 30 من كانون الثاني الماضي، رمت الاستخبارات الأمريكية في وجه ترامب أطول وأضخم تقرير لها.. أطول لناحية كم المخاطر والتحديات التي تناسلت وتوالدت حتى لم يبق ركن حول العالم إلا وعدّته هذه الاستخبارات خطراً وتحدياً.. والأضخم لناحية كم الفشل الذي عرضه منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض قبل عامين، بمعنى أن ترامب يتحمل كامل المسؤولية بفعل سياساته الكارثية التي وحدت «الأعداء» وحتى «الحلفاء» في جبهة واحدة ضد الولايات المتحدة ومصالحها.
ماذا فعل ترامب؟
ترامب رمى هذا التقرير في أقرب سلة مهملات وصلت إليها يده، من دون أن يخفي غضبه من محتواه، مطلقاً لسانه السليط ضد من عدّهم «مبتدئين سُذّجاً يجب عليهم العودة إلى مقاعد الدراسة». كانت هذه أحدث مساجلة أو مواجهة في الإدارة الأمريكية بعد أزمة الإغلاق الحكومي، لكنها لن تكون الأخيرة، فما زال أمامنا عامان كاملان، لنشهد المزيد من المواجهات التي لا تعني بالضرورة أنها ستقود إلى شيء سوى أن تنتهي كما بدأت، ليبقى ترامب على إدمانه: الفردية والانتهازية والتسلط في الداخل.. وسياسات العقوبات والحصار والحروب التجارية في الخارج.
ترامب.. وترامب!
وبرغم أن تقرير الاستخبارات الأمريكية الحالي- وغيره العديد مما صدر في هذين العامين – رغم أنها مُسندة بوقائع دامغة على الأرض، يُعددها هذا التقرير ويحذر من تداعياتها المستقبلية.. لكن ترامب مُصرّ على ألا يصدق إلا نفسه، وأنه الوحيد الذي على حق، بينما الجميع مخطئون ويتسببون بتراجع مكانة أمريكا حول العالم، كما يقول ترامب.
خلال عامين، لا يمكن لأي أحد- أو أي حدث جرى- أن يقنع ترامب بأنه هو من يخطئ وهو من يزعزع الأركان الأساسية التي قامت عليها الهيمنة الأمريكية.. وأهمها الاقتصاد، أو الدولار بالمعنى الأدق، هذه الهيمنة قامت على الدولار كعملة تتحكم باقتصاديات العالم بأسره، ولم تقم على السياسة أو حتى العسكرة.. لولا الدولار لما استطاعت الولايات المتحدة أن تصنع وتمتلك ترسانة عسكرية هي الأضخم والأقوى لتخوض أكبر حروب الهيمنة والاحتلال ونهب الثروات.. لولا الدولار لما كان القرار السياسي الأمريكي هو بهذه القوة.
كل هذا لا يقنع ترامب، وتالياً هو يريد نسف هذا الركن (الدولار) ليبني أركاناً أخرى وفق معتقداته الاقتصادية، أي التي بنى عليها إمبراطوريته المالية، عادّاً أنها أنموذج مُصغر يمكن تطبيقه على دولة بحجم الولايات المتحدة.
ترامب- ربما- يستند في ذلك إلى تقارير اقتصادية داخلية تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي حقق خلال العام الماضي نمواً وصل إلى 4،1% وهذه نسبة مهمة ومؤثرة استخدمها ترامب حجة لا تقبل المحاججة على صوابية سياساته، مؤكداً أن عهده هو الأفضل اقتصاديا ً في تاريخ الولايات المتحدة، فهو أكثر رئيس جلب أموالاً واستثمارات ساهمت في خلق مئات آلاف الوظائف وفرص العمل، ما انعكس إيجاباً على حياة الأمريكيين وعلى الميزانية العامة.
السؤال الأهمّ
هذا ما يقوله ترامب عن سياساته الداخلية الاقتصادية، ولكن إلى أي حد يمكن اعتماد السياسات نفسها على مستوى الاقتصاد الخارجي أو الدولي، فهذه الوفرة في الناتج المحلي هي في حيز كبير منها– وكما يقول ترامب نفسه– نتيجة الأموال والاستثمارات الخارجية.. إلى أي حد يمكن اعتماد السياسات نفسها استراتيجية ناجحة طويلة المدى في التعامل اقتصادياً مع العالم.. ثم ألا يحتاج النجاح الاقتصادي الخارجي علاقات سياسية ناجحة مع هذا الخارج؟
في اعتقادنا هذا هو السؤال الأساس في كل شيء، ومنه ينطلق الخبراء والمحللون الاقتصاديون للتحذير من أن سياسات ترامب الاقتصادية هي سياسات قصيرة الأمد، تنفع داخلياً ولبعض الوقت فقط، لكنها لا تتمتع بأي رؤية بعيدة المدى على مستوى الولايات المتحدة وعلاقاتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية المتشعبة حول العالم.. إذ كيف يعقل أن الولايات المتحدة ومنذ الحرب العالمية الثانية، استطاعت مع رؤسائها السابقين الحفاظ على هيمنة عالمية مطلقة.. كيف يُعقل أن يكونوا على خطأ، بينما ترامب الذي وصلت الولايات المتحدة في عهده إلى أكبر فوضى عالمية في سياساتها وعلاقاتها.. كيف يعقل أن يكون على صواب؟
هذا سؤال لم يطرحه ترامب على نفسه أبداً، وربما من مصلحة العالم ألا يطرحه، فليبق ترامب يمارس السياسات نفسها، لتقوض أمريكا نفسها بنفسها، فيرتاح العالم من جبروتها وتسلطها عليه (ولابد هنا من توضيح جزئية الخطأ والصواب فنحن نتحدث هنا لأنها متعلقة بالولايات المتحدة وليس الخطأ والصواب بالمفهوم الأخلاقي والإنساني).
أكثر ما أزعج ترامب في تقرير الاستخبارات الأمريكية السابق ذكره هو النقاط المتعلقة بإيران تحديداً أو ما وصفه التقرير بسياسات ترامب الكارثية في التعامل مع إيران أو لـ «تجاوز خطرها» حسب لغة التقرير. لكن ترامب تعامى عن الأهم في التقرير، وهو أن الخطر الذي يواجه الولايات المتحدة هو الجبهات التي تتوحد ضدها.. وهناك جانب يخص ترامب، ففي الداخل، الجبهات تتوحد ضده كرئيس «مندفع منحرف» كما يصفه الإعلام الأمريكي.. برغم أن ترامب يحافظ على النهج الحربي العدواني نفسه في الاقتصاد والسياسة والعسكرة.. لنلاحظ أن الحروب لم تتوقف في عهده، وهاهو يهدد فنزويلا بعدوان عسكري مباشر.. ما فعله ترامب هو أنه أضاف حروباً جديدة، وهي مباشرة بدورها مثل الحروب العسكرية.. حروب تبدأ اقتصادية، وإذا لم تنجح تتحول عسكرية.. أي في المحصلة يكون ترامب أكثر حرباً وعدواناً من جميع أسلافه.. وربما الخلاف الداخلي حول ترامب هو أنه يفعل كل ذلك منفرداً، متجاهلاً مَنْ حوله الذين يرون في ذلك قلة احترام لهم، وإهانة لتاريخهم الطافح بالحروب والمجازر.
«حال الاتحاد»
ما سبق يجدده ترامب بمناسبة وبغير مناسبة، أما عندما تكون المناسبة كخطاب «حال الاتحاد» فإن الفارق هو تمكننا من معرفة كل ردود الفعل، ولاسيما لناحية الداخل الأمريكي، وتحديداً الرأي العام.. وفي ذلك الخطاب حقق ترامب نسبة تأييد جيدة حسب الاستطلاعات التي أجرتها المحطات الأمريكية، ومنها «سي إن إن» و«سي بي إس».. النسبة بلا شك مُرضية جداً لترامب في مواجهة خصومه، وكل من يعترض أو ينتقد سياساته، وهي دفعة قوية له في سباق الرئاسة المقرر انطلاقه الصيف المقبل.
وفي أولى المواجهات ما بعد خطاب «حال الاتحاد»، ستكون نسبة التأييد هذه سلاحاً في يد ترامب لإجبار خصومه الديمقراطيين على تمويل مشاريعه المؤجلة والمستجدة، وأولها الجدار الحدودي مع المكسيك.
ترامب كرأسمالي، وصل إلى السلطة من عالم المال والأعمال، يعرف أهم وأخطر قواعد الاستغلال- استغلال المواطن، وكيف يُطبقها ليخرج في كل مرة رابحاً.. يُعطي المواطن الفتات، ويوهمه بأنه حقق له «معجزة اقتصادية» كما قال خلال خطاب «حال الاتحاد»، ثم يوجهه سلاحاً نحو الخصوم الذين يريدون إيقاف هذه المعجزة «بسياستهم الغبية وتحقيقاتهم السخيفة المنحازة» في إشارة واضحة للديمقراطيين الذين يتلهّون عن المواطن وحاجاته، بحروب جانبية شخصية، تعطل حياة الأمريكيين ليزدادوا فقراً، حسب ترامب.
هذا في الداخل ماذا عن الخارج؟
لا يبدو الخارج في مصلحة ترامب كما هو الداخل.. نتائج حروب ترامب الاقتصادية – التجارية ما زالت غير مُرضية، ودائرة التخلي عن الدولار الأمريكي تتوسع (وأيضاً عن السندات الأمريكية) وأحدث التطورات في هذا السياق إعلان كل من روسيا وإيران في الـ 6 من هذا الشهر، الاستغناء كلياً عن الدولار في معاملاتهما التجارية الثنائية لمصلحة عملتيهما الوطنية: الروبل والريال، مؤكدتين أنه في حال الضرورة الملحة ستستخدمان اليورو وليس الدولار.. ولا ننسى في هذا السياق العملة الافتراضية «بيتكوين» التي بدأت الدول تلجأ إليها لمواجهة سياسات الحصار والعقوبات الأمريكية.
وعليه تحذر معظم مراكز المال والأبحاث الأمريكية من أن شعار ترامب «أمريكا أولاً» قد يتحول إلى «أمريكا آخراً».
الناخبون أولاً
لكن ترامب يردّ: فليكن الشعار «الأمريكيين أولاً» هؤلاء هم من سينتخبونني مرة أخرى، وليس الخارج!
هذا ليس رداً- يقول خصوم ترامب- الذين يرون أنه بات كـ «حصان طرواده» يدمر أمريكا من الداخل، باتجاه تحويلها دولة عادية، أو باتجاه التفكك.. من يدري، كل شيء وارد.

print