منذ اليوم الأول لتولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وإعلانه عن خطته التي سيتبعها في الإدارة داخلياً وخارجياً بدأ الحديث من قبل المتابعين للشأن السياسي، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، عما بات يعرف بـ«الظاهرة الترامبية» أو العقلية الترامبية أو الجنون الترامبي، وما إلى ذلك من التسميات المختلفة الأشكال والألوان.
والسؤال: هل تغيرت فعلاً سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في تعاطيها مع دول العالم في عهد ترامب، وهل طرأ تعديل في النهج الاستراتيجي لواشنطن في مختلف الملفات والقضايا الدولية في ظل هذا الرئيس، كما يعتقد البعض، أم إن الولايات المتحدة لا تزال تحافظ على نهج ثابت ومتوارث منذ أن أصبحت دولة إمبريالية حتى هذه اللحظة مع فارق بسيط في الأسلوب فقط؟
الحقيقة- كما نراها- أن أسلوب ترامب في عرض سياسة بلاده أوهم الكثير من المحللين بأن نهج الولايات المتحدة في مقاربة القضايا الخلافية الدولية وفي التعامل مع الخصوم والحلفاء قد تغير جوهرياً، وأن الولايات المتحدة في عهده غيرها في عهد كل الإدارات السابقة، وهذا الأمر ليس صحيحاً مطلقاً.
كل ما فعله ترامب أنه فضح، وبشكل علني، غطرسة الولايات المتحدة الأمريكية وقال في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وعلى رؤوس الأشهاد ما كان يقوله الرؤساء الأمريكيون خلف الكواليس وفي الاجتماعات المغلقة مع الخصوم والحلفاء.
لقد مارست الإدارات الأمريكية السابقة الدبلوماسية الخبيثة نفسها من مختلف القضايا الدولية ولكن بأسلوب منمق يرتدي لبوس الرفق والتعاون والمصالح المشتركة، وبمقارنة بسيطة يتبين لنا عدم الفارق بين الطرفين إلا في الوقاحة العلنية في ابتزاز كل الأطراف التي تعاملت معها هذه الإدارات بما فيها إدارة ترامب.
ألم تبتز الإدارات الأمريكية السابقة معظم دول الخليج منذ خمسينيات القرن الماضي مالياً، وتنهب ثرواتها النفطية، وتدفّعها تكاليف حروبها في المنطقة كما فعل ترامب، ألم تناصب الإدارات الأمريكية السابقة روسيا والصين العداء وعملت على فرض العقوبات عليهما والتنصل من اتفاقياتها الموقعة معهما كما يفعل ترامب حالياً؟.
ألم تدعم الإدارات الأمريكية السابقة الكيان الصهيوني في كل اعتداءاته على الفلسطينيين والدول العربية، وتغدق عليه الأموال والمساعدات العسكرية، وتساعده في تهويد القدس كما يفعل ترامب؟ ألم تبتز الإدارات الأمريكية السابقة الأوروبيين وتجعلهم تابعين لسياساتها ومرتعاً لقواعدها العسكرية، وتدفّعهم ثمن حمايتها العسكرية لهم كما يحاول أن يفعل ترامب.
ألم تهدد الإدارات الأمريكية السابقة بالانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية «ستارت واحد» و«ستارت اثنين» كما فعل هذا الرجل؟
ألم تزدري الإدارات الأمريكية السابقة الكثير من الأنظمة العربية وتستهتر بالكثير من الحكام العرب وتسوقهم إلى البيت الأبيض صاغرين لتنفيذ أوامرها كما يفعل ترامب اليوم؟ ألم تتدخل الإدارات الأمريكية السابقة في شؤون دول أمريكا اللاتينية وتتآمر على أنظمتها السياسية وتقود الانقلابات ضدها كما يفعل ترامب الآن في فنزويلا؟
إن قائمة التشابه بين إدارة ترامب والإدارات الأمريكية السابقة تطول وتطول لدرجة يصعب حصرها في صفحات قليلة. إذاً ما الفارق بين إدارة ترامب والإدارات الأمريكية السابقة، وما النهج الذي تغير في ظل هذه الإدارة الجديدة؟
إن الفارق الوحيد بين إدارة ترامب والإدارات الأمريكية السابقة هو أن هذا الرجل يقوم بذبح ضحيته بعنف، في حين أن أولئك المنافقين ذبحوا ضحاياهم بعد أن ارتدوا قفازات جميلة وخدروها حتى لا تشعر بالألم وقرؤوا عليها قوانين الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولكن النتيجة كانت واحدة.
إن ترامب يمارس غطرسة الولايات المتحدة ونهجها المعهود من دون مواربة ولا أغطية شفافة، لم تكن خافية على أحد وكانت التقارير الإعلامية تفضحها وتعريها في وقتها أو بعد حين من الزمن.
ولذلك نجد أن الاستخبارات الأمريكية لم تعترض على هذا النهج وإنما اعترضت على الأسلوب لأنه في نظرها يسرّع في تحسس خطر الولايات المتحدة على العالم بأسره، وقد يدفع بعض الدول للتحسب ومقاومة هذه الممارسة وربما للتقارب بما يفشل هذه المخططات وهنا مكمن الخسارة في نظر الاستخبارات الأمريكية التي حذرت مؤخراً من خطر ترامب على الولايات المتحدة. في النتيجة: قد يكون ترامب في نظر منافقي السياسة الأمريكية، ولاسيما استخباراتها، أخطر الرؤساء الأمريكيين على سياسات الولايات المتحدة الخارجية، ولكنه قد يكون جيداً بالنسبة للعالم لأنه فتح عيونه على خطر أمريكا على الأمن والسلم العالميين وقرّب بين دول مختلفة المصالح لتتناسى الأخطار الصغيرة في مواجهة الخطر الأكبر.

print