هل يقدم النظام النقدي الدولي حلولاً شاملة لقضايا الاقتصاد العالمي والمتمثلة في ارتفاع نسب البطالة والمديونية، إضافة إلى معدلات الصرف المتدنية للعملات، وهل أدت تلك الأمور مجتمعةً إلى ظهور مصطلح «حرب العملات» الذي بدأ مع الصراع الدائر بين أكبر اقتصادات العالم متمثلاً فى الولايات المتحدة من جانب، والصين والدول ذات الفائض التجاري من جانب آخر؟
بدايةً لابد من التعرف على الحروب الاقتصادية التي تسمى اليوم «حرب العملات» فما هي؟
حرب العملات هي- باختصار- مصطلح يتم إطلاقه عندما يستخدم البنك المركزي لبلد ما سياسة نقدية توسعية لتخفيض قيمة أمواله الوطنية عن عمد، وتسمى هذه الاستراتيجية أيضاً خفض قيمة المنافسة، ويتم ذلك عن طريق آلية محددة تتمثل في خفض قيمة العملة، وكلما انخفضت قيمة العمله انخفضت تكلفه إنتاج السلع، ما يعزز ميزة التنافسية للمنتج،لأن التكلفة هي أهم عنصر من عناصر الإنتاج التي يسعى الجميع لخفضها من أجل زيادة الربح، وهو ما يعد أحد أشكال «الحروب الباردة» للوصول إلى هدف محدد يتمثل في تحقيق أفضلية على بقية الدول، من خلال خفض أسعار صرف العملة المحلية مقابل العملات الأخرى، لجعل السلع الأجنبية أكثر تكلفةً على المستهلكين المحليين، وجعل صادرات السلع الوطنية أقل تكلفة في الأسواق الأجنبية، وتالياً تزداد تنافسيتها مقابل السلع الأجنبية في أسواقها، ما يدعم الاقتصاد الوطني ويحقق التشغيل الأمثل لعوامل الإنتاج المحلية.. لكن هذه العملية قد تؤدي إلى خسارة دول أخرى، ما يمثل ضغطاً شديداً عليها ويجبرها على تعديل سياساتها الاقتصادية، وبما ينعكس آثاراً سلبية على العالم أجمع، وخاصة على الدول التي تقوم بربط قيمة عملتها المحلية بعملة دولة أخرى.
تعد حرب العملات مثل أي حرب يمكن التنبؤ بها من خلال عدة عوامل رئيسة، أولها يتمثل بـ«قاعدة الذهب» الكلاسيكيه من1870-1914؛ وثانيها من خلال إنشاء «الاحتياط الفيدرالي» من 1907-1913 و«معاهده فرساي» من 1914-1919.. يتضح من ذلك ان حرب العملات لها تاريخ قديم جداً.
دخل الاتحاد الأوروبي في حروب العملة عام 2013 إذ أراد تعزيز صادراته ومحاربة الانكماش، فقام البنك المركزي الأوروبي عام 2013 بخفض سعر الفائدة إلى 0.25 % ودفع ذلك سعر تحويل اليورو مقابل الدولار إلى 1.3366 دولار، بحلول عام 2015، كان يمكن لليورو شراء 1.05 دولار فقط، وهذا كان أيضاً أحد أسباب أزمة الديون اليونانية.
في ذلك الوقت، تساءل الكثير من المستثمرين عما إذا كان اليورو سيبقى على قيد الحياة كعملة، لكنه في عام 2016 ضعف اليورو نتيجة إعلان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعاد ليرتفع عام 2017.
تتدافع حالياً دول العالم نحو تطبيق سياسة مالية ضد قوى السوق التي يجب أن تكون المحدد الأساس للطلب والعرض، إذ تنشأ المخاطر في حال تدخل البنوك المركزية فى وقت واحد لخفض قيمة العملات الخاصة بكل منها، بمعنى، أن أي تدخل نحو التخفيض سيواجه بتحرك معاكس وسريع من البنوك الأخرى، واتخاذ إجراءات حمائية تؤدي إلى انخفاض حاد فى حجم التجارة العالمية، وتالياً، المساهمة في دفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.
كما تشارك بعض البلدان في حروب العملة للحصول على ميزة في التجارة الدولية، فعندما تخفض عملاتها، تجعل صادراتها أقل من التكلفة في الأسواق الأجنبية، ونتيجة ذلك تستفيد من نمو اقتصادي أقوى وتصدر الشركات المزيد من المنتجات، ما يخلق فرص عمل جديدة.
ماذا عن الولايات المتحدة؟
الولايات المتحدة لا تتعمد تخفيض قيمة عملتها- الدولار، لكن استخدامها السياسة المالية والنقدية التوسعية له الأثر نفسه.
على سبيل المثال، شكل العجز الفيدرالي- بين عامي 2008 و2014 – ضغطاً على الدولار جعله أقل جاذبية للاحتفاظ به.. أبقى الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة قريباً من الصفر، ما شكل ضغطاً على الدولار الذي يرى بعض المحللين الاقتصاديين أنه لا يزال يحتفظ بقيمته برغم السياسات التوسعية التي تتبعها الولايات المتحدة.
كيف تؤثر حرب العملات في الدول؟
هذه الحروب زادت عملات العديد من الدول منها البرازيل وبلدان الأسواق الناشئة الأخرى.. نتيجة لذلك، تم رفع أسعار الصادرات الأولية لهذه البلدان مثل النفط والنحاس والحديد، ما جعل الأسواق الناشئة فيها أقل قدرة على المنافسة وأضعف نمواً.. بمعنى أن دول الاقتصادات الغنية تصدر التضخم لديها إلى اقتصادات الدول الناشئة، فتضطر إلى رفع أسعار الفائدة، مغامرة بمزيد من التباطؤ في النمو الاقتصادي.
كيف تؤثر حروب العملات فردياً؟
تؤدي حروب العملة إلى انخفاض أسعار التصدير وتحفيز النمو الاقتصادي، لكنها في المقابل تجعل الواردات أكثر تكلفة، ما يضر بالمستهلكين.. في عام 2010 على سبيل المثال، أدت حروب العملة بين الولايات المتحدة والصين إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل لافت.
تؤدي حروب العملة إلى التضخم، وإلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية: غاز، نفط، مواد غذائية، وتختلف تأثيراتها حسب النظام المالي بين موجه أو رأسمالي.. ولكن من غير المرجح أن تخلق أي حرب عملة قادمة، أزمة أسوأ من أزمة عام 2008 لأن المراقبين يحذرون بكثرة اليوم من أن العالم على أبواب أزمة جديدة.
ويبقى سؤال: هل حرب العملات التي تديرها البنوك المركزية- وفاقمت حال الإفقار حول العالم– هل هي أقل خطورة من الحروب التي تستخدم فيها الأسلحة والجنود لإخضاع الدول؟

عن «إيكونوميست» البريطانية

print