رغم التحشيد وحملات التجييش الدولي التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، ضد أطراف لها وزنها وثقلها على الساحة الدولية كروسيا والصين وإيران، إلا أن تلك الأطراف شاءت أمريكا أم أبت أصبحت حاضرة وبقوة في المشهد الدولي وباعتراف الصديق والعدو كمعادلة مثبتة لم تعد الظروف الدولية والإقليمية مؤاتية أمريكياً لتغيرها، ولاسيما أن واشنطن فقدت أوراقها سواء الوكيلة والأصيلة في المواجهة مع تلك الأطراف، بل أي خطوات منها تأتي بنتائج غير محسوبة تترك تأثيراتها على أمريكا أيضاً.
مؤتمر وارسو الذي تحشد له أمريكا ضد طهران وتعدّ له العدة لتضييق الخناق على الأخيرة وإحاطتها بعوامل من عدم الأمن والاستقرار، يلقى صفعة قبل بدايته ومن الدولة المضيفة بولندا، ففي الوقت الذي تزعم فيه واشنطن أن طهران مصدر عدم الاستقرار في المنطقة، قال نائب وزير الخارجية البولندي باروج سيتشوكي: إنّه دون إيران لن يكون من الممكن معالجة أسباب عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وأنه ستتم مناقشة وجهات النظر الإيرانية حول الأزمات في المؤتمر، لافتاً إلى أن عدم توجيه الدعوة لإيران إلى مؤتمر وارسو يتمثل بطبيعة العلاقات بين طهران وواشنطن، في اعتراف واضح بأن إيران ليست كما تدعي أمريكا مصدر عدم الاستقرار، بل إحدى الركائز التي لابد من التعامل والتفاهم معها لبحث أمن واستقرار المنطقة.
الاختلاف مع واشنطن في وجهات النظر حول أهمية الدور الإيراني والاعتراف به لم يكن فقط من قبل بولندا، بل سبقها إلى ذلك الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس الذي صرح في وقت سابق قائلاً: دور إیران في المنطقة بناء وإيجابي، مؤكداً أهمية دورها في الظروف الإقلیمیة الراهنة، وفي هذا دليل على رؤية الحقائق والإقرار بها كما هي وليس قلبها وتشويهها كما تريد الولايات المتحدة.
وبالعودة إلى واشنطن وطهران، فبينما اختارت الأولى عقد مؤتمر وارسو للتحريض ضد الأخيرة بالتزامن مع الذكرى الـ40 لانتصار ثورتها الإسلامية وقيام الجمهورية، نجد على المقلب الإيراني عدم مبالاة بالمؤتمر المحكوم عليه بالفشل على حد تعبير وزير الخارجية محمد جواد ظريف، ونجد صموداً وتحدياً إيرانياً لكل التحركات الأمريكية والقدرة على المواجهة من باب القوة، فإذا أبقت واشنطن على قواتها في العراق لمراقبة إيران بناء على تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن إيران ترصد جميع القواعد الأمريكية في المنطقة ولن تُباغَت، كما جاء على لسان رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية للجيش الإيراني العميد أحمد رضا بوردستان.
عطفاً على ما سبق، إذا كانت واشنطن تواجه إيران لكبح دورها الداعم للمقاومة، فرسالة الحرس الثوري الإيراني في هذا الخصوص واضحة ولا تحتاج للتأويل بمواصلة نصرة جبهة المقاومة وفق استراتيجية العقيدة الإيرانية وبالتناسب مع التهديدات القائمة، وإذا كانت تأمل أمريكا من وراء حشدها كف طهران عن تطوير برنامجها الصاروخي، فالكشف عن صاروخ باليستي جديد بعيد المدى أدى الرسالة الإيرانية على أتم وجه، مع تأكيد إيراني على استمرار تطوير قدراتها الصاروخية غير القابلة للتفاوض والنقاش مع أي طرف.

print