تَجْمع الإدارة الأمريكية حلفاءها وأدواتها حول العالم لتسوقهم أمامها إلى العاصمة البولندية وارسو في 13 و14 شباط الجاري لحضور قمة وارسو التي ستركز على منطقة الشرق الأوسط، وخاصة إيران، في محاولة محمومة لاحتواء قدرات طهران المتعاظمة والعمل لمحاصرتها على مختلف الجبهات.
وفي مقابل التحشيد الأمريكي للمؤتمر, ثمة انقسام واضح في المواقف الدولية, ومقاطعة له من عدة دول وعلى رأسها روسيا والصين, اللتان وجدتا في هذا المؤتمر تهديداً للأمن والاستقرار العالمي ومحاولة محمومة من ترامب لإخراج واشنطن من عزلتها وإعادة الدور الأمريكي إلى المنطقة.
واللافت أن مؤتمر وارسو ستحضره كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب بعض الأنظمة الخليجية بما يحمله ذلك من تطبيع علني للعلاقات بين هذه الأنظمة والكيان الإسرائيلي. الأمر الذي يعد بمنزلة طعنة للشعب الفلسطيني ولكل شبر فلسطيني محتل, وهدية مجانية للاحتلال تشجعه على ارتكاب المزيد من الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني.
ناهيك عن أنه من أهداف مؤتمر وارسو إعادة إحياء الحديث عما يسمى «صفقة القرن» ولاسيما أن النظام السعودي والكيان الإسرائيلي من أبرز الحاضرين.
وعليه, فقد رفض المسؤولون الفلسطينيون المشاركة في المؤتمر الذي وصفوه بأنه ولد ميتاً ولن يحقق أي شيء سوى بعض الضجيج الإعلامي، كما أنه يندرج في إطار المسرحيات الاستعراضية الأمريكية – الإسرائيلية الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية وحرف البوصلة عن العدو المركزي، وحشد القوى الإقليمية ضد إيران.
طهران بدورها, لم ترَ في مؤتمر وارسو سوى سيرك ستكون فيه واشنطن هي المهرج وحلفاؤها هم الحضور الأغبياء، ورغم ذلك تؤكد طهران أن هذا المؤتمر ليس مزحة ويأتي في إطار خطة «الصيف الساخن» التي تحدث عنها المتشددون الأمريكيون, فهدف هذا المؤتمر إبلاغ العالم بالتحركات العدائية التي تريد الولايات المتحدة القيام بها.
كما أشار مسؤولون إيرانيون إلى أن هدف ترامب لا يكمن فقط في الضغط على إيران بل إنه يهدف إلى إضعاف وتقسيم أوروبا، فالتحرك الأمريكي لعقد اجتماع مُعادٍ لإيران في بولندا يتماشى أيضاً مع تكثيف الخلاف بين الدول الأوروبية.
وعلى سيرة الخلاف الأوروبي, فوجئ الكثيرون باختيار واشنطن لوارسو كمكان لعقد المؤتمر وليس أي دولة تقليديّة حليفة للولايات المتحدة مثل بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا. البعض يرى أن اختيار العاصمة البولندية -التي تستضيف صواريخ نووية أمريكية موجهة نحو روسيا- لهذه المهمة لم يكن من قبيل المصادفة، وإنما جاء وفق حسابات دقيقة ومدروسة، كما أنه يعيد إلى الذاكرة العديد من الاجتماعات واللقاءات الثنائية والجماعية التي كانت تعقد ضد إيران والمقاومة خدمة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وعليه, إذا كان هدف واشنطن من عقد قمة وارسو هو مرافقة الاتحاد الأوروبي لسياساتها بشأن إيران, فإن هذه المحاولة لن تتكلل بالنجاح، لأنه حتى بولندا لن تتخلى عن إجماع الاتحاد الأوروبي للحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران, وإن كان ذلك على حساب علاقاتها الخاصة مع واشنطن, فماذا ستجني واشنطن من قمتها المرتقبة إن كان الفشل أول الواصلين إلى وارسو؟.

print