استوقفني كلام المدرب طارق جبان مساعد المنتخب الوطني لكرة القدم خلال زيارته الدائرة الرياضية في «تشرين» قبل أيام عندما جزم بشكل قطعي غياب اللاعب النجم عن دورينا لعدم وجود كشاف المواهب التي تعمل به الأندية الرياضية العالمية والمتفوقة رياضياً، وهذا ما أوقع منتخبنا الكروي وخروجه المبكر من بطولة آسيا في ورطة تشكيلة المنتخب التي اقتصرت على لاعب أو لاعبين من الدوري الكروي المحلي، والاعتماد على اللاعبين المحترفين في الأندية الخارجية الذين شكلوا القسم الأكبر من المنتخب التي وصلت إلى نسبة حوالي ثمانية لاعبين في ظل غياب المواهب المحلية في أنديتنا التي تتنافس في دوري ينقصه الكثير حتى يصبح في مصاف الدوريات الأخرى.
لاعبون موهوبون
فكثيراً ما يردد البعض أن هناك في فرق الأحياء الشعبية لاعبين موهوبين يلعبون أفضل من لاعبي الأندية، وقد يلفت انتباهك وأنت تتابع مباراة في ملعب متواضع أو حتى في ركن منزوٍ من أحد الشوارع لاعباً يتفوق بموهبته من دون تدريبات خاصة على لاعب أحد الأندية ويفوقه مهارة، وربما تتكبد الأندية الكثير من التكاليف المادية للحصول على لاعب بمهارات أقل مما تطمح إليه عن طريق الوكلاء فقط, لأن الموهبة المنشودة مدفونة بعيدًا عن يدها لكونها موجودة في أحياء شعبية أو في مدارس بعيدة قد لاتكلف إدارات الأندية إلا وجود كشاف للمواهب ينتقل بين الاحياء الشعبية لاكتشافها.
فظاهرة الكشاف تساعد الأندية الرياضية على متابعة لاعبي الكرة الموهوبين فى الشوارع وتقييمهم من دون الاضطرار إلى دفع عمولات لوكيل أو وسيط على سبيل المثال، إضافة إلى التقليل من إقامة مهرجانات رياضية للمواهب تحت أسماء طنانة رنانة أثبتت فشلها سواء من خلال أولمبياد الشباب أو الناشئين التي تقام سنوياً ويصرف عليها الملايين من دون فائدة لأنها لم تفرز موهبة رياضية قادرة على المنافسة من خلال هذه المهرجانات التي أقل ما يقال عنها إنها استعراضية ليس أكثر .
فهناك مواهب كثيرة في كل لعبة وليس فى كرة القدم وحسب تحتاج من يراها ويكتشفها ويوظفها بطريقة صحيحة ويمنحها فرصتها فى التدريب على يد من لهم خبرة ودراية في كيفية توظيف هذه المواهب من جهة، ومتطلبات السوق الرياضية والمهارات الجديدة المطلوبة من جهة أخرى.
الفرص محدودة
الفكرة لاشك في أنها جيدة ومهمة، ولكن أي فكرة جديدة من المهم أن تصل إلى الناس بطريقة صحيحة وأن يعرفوا كيف يستفيدون منها ويتعاملون معها، ولاسيما أن مشكلة مواهب الشارع فى كرة القدم أوغيرها أن الفرصة أمامهم محدودة بالوقت، فإذا تأخر اكتشافهم وتقدم بهم العمر إلى سن معينة لن يتمكنوا من اللعب في ناد, وتالياً يخسرهم النادي وهم يخسرون الفرصة فى احتراف اللعبة.
واقع صعب
فأطقم التدريب ضمن أنديتنا تعيش واقعاً صعباً، وهي تبحث بعمل جاد عن إعداد وتجهيز لاعبيها من أجل المنافسات المختلفة، برغم وجود العديد من العوائق التي تعترض طريق الوصول بهؤلاء اللاعبين إلى أبواب النجومية وتمثيل المنتخبات الوطنية.
وأكبر مشكلة تواجه هذه الأطقم هي غياب التواصل بين الأندية والأحياء الشعبية والمدارس المختلفة في المنطقة، التي كانت أهم روافد المواهب والنجوم عبر مجموعة من «الكشّافين» مثلوا حلقة الوصل بين الطرفين في السابق، واختفت الآن تماماً من الأندية بفعل عوامل عديدة، أبرزها: عدم وجود تواصل حقيقي وفعّال بين أطراف اللعبة، وقلة العائد المادي، وعدم الاهتمام بهذه المهنة في إيصال اللاعبين الموهوبين للأندية من قبل إدارتها، والمحصلة, مشكلة كبيرة وإلغاء كثير من الألعاب ووضع متراجع للملاعب من دون لاعبيها، حيث لا يوجد في أنديتنا للأسف أي كشاف للمواهب، أو من يعمل من أجل اكتشاف اللاعبين الصغار من المدارس، كما كانت أجواء الأندية في السابق مملوءة بالنشاط في مجال الألعاب الجماعية والفردية والقوة.
الحلقة المفقودة
ويعود السبب الحقيقي في غيابهم إلى ضعف حلقة التواصل بين الأندية وبين المدارس التعليمية التي يأتي منها اللاعبون، وهذه هي الحلقة المفقودة التي ينبغي للأندية حلها من أجل عودة هذه المهنة المهمة التي تساعد في اكتشاف المواهب في أعمار صغيرة وحسب حاجة كل لعبة.
فدور الكشّاف مهم لكنه اختفى في الأندية، فالأندية في السابق كانت تعّين بعض مدرسي الرياضة في بعض المدارس من أجل اكتشاف اللاعبين في الألعاب وبأجر رمزي، وهذا ما جعل المواهب تملأ الأندية في الماضي، وعندما اختفى هذا الاهتمام بتعيين هؤلاء قلّت المواهب واختفى التواصل مع المدارس أيضاً.
تجربة ناجحة
المدارس لها دور كبير جداً في مدّ الأندية باللاعبين عندما يتوافر الكشّاف الصحيح الذي من الممكن أن يكتشف اللاعب وميوله في سن مبكرة جداً، لذلك فما نراه الآن يرجع إلى وجود فجوة كبيرة بين المدارس والأندية ينبغي لها أن تحل لأن تجربة كشاف المواهب ناجحة وتساهم في رفد الأندية بالعديد من اللاعبين الموهوبين في كل الألعاب، وهذا ما ينقص الأندية أن تعمل به، وعندما يتم تفعيل هذا الأمر سيسهم كثيراً في تصحيح مسار الألعاب التي تعاني الأمرّين سواء على صعيد المواهب، أو على صعيد استمرار النشاط أصلاً.
العين الأولى
الكشاف مهم جداً في كل الألعاب، لأنه العين الأولى لأي موهوب في أي لعبة، وهي العين الضرورية من أجل إيصال هذه الموهبة للنادي، لذلك على الأندية جميعاً الاجتهاد من أجل التعاقد مع كشّافي المواهب من أجل عودة الألعاب إلى رونقها السابق من جديد. كما أغلب الأندية العالمية التي تعتمد نظاماً خاصاً بها لاكتشاف اللاعبين صغار السن، في الوقت الذي لا تمتلكه أغلب أنديتنا لاكتشاف الموهبة الرياضية.

print