«يبيّض»، مفهوم اصطلاحي يستخدمه الشارع السوري بلغته المحكيّة، وهو يعني التلميع الكاذب والتلفيق، وهذا المعنى لا يختلف أبداً عن شرح المفردة بمعناها الاقتصادي أو السياسي، «فالتبييض» يمكن أن يكون تبييض أموال، ويمكن أن يكون أيضاً تبييض «سمعة»، ولتحقيق هذا الفعل لابدّ من زبون أو مؤسسات، بل حتى دول قائمة بحدِّ أطلسها وتاريخها «المطّاط»، الذي اتسع أو تقلّص بمقدار الأحداث القانونية، أو حتى الخارجة عن القانون، التي منحتها الاستطاعة اللازمة لتحسين أي صورة مهما كانت مساحة السواد أو الإجرام الطاغية عليها.
تبييض السمعة، أو إدارة السمعة، بات علماً وفناً من فنون الإدارة والسياسة، وهو نقطة ارتكاز أساسية في سيرة الحياة الشخصية للفرد، أو للمنظمة وحتى المؤسسات، أمّا الدول فإنّ فكرة التبييض بالنسبة لها استثمار لتحقيق الفرص الاستراتيجية، بغضّ النظر عن حقيقة السلوكيات الدستورية التي تمارسها، أو حتى الفراغ الكامل لتاريخ نشوئها، ولتكن قطر مثالاً حاضراً عن الدول التي تعمل على إنتاج الهوية الوطنية من اللاشيء، حيث التحديث رغم الأموال السخيّة لن يستطيع إنجاب وليد بتاريخ ميلاد يعود لآلاف السنين، ولا إيجاد حضارة مستحيلة الحضور رغم البترودولار المكدّس في المصارف، وفي الأرصدة الخارجية لعقول أقصى ما يمكنها عمله تحديث سوق (ع الواقف)، أو بناء متحف من خمسة طوابق فشل في احتواء أجزاء عشرية من المئة بأي عناصر تاريخية لمنطقة جغرافية يقبع في جزيرتها الاصطناعية، ويعمل جاهداً لتحسين الصورة الذهنية عنها..!
تبييض السمعة لا يقتصر على الدول الصغيرة، التي تستغرق السياحة فيها يوماً واحداً، لكنه يمكن أن يشمل دولاً بحجم الولايات المتحدة الأمريكية، التي استشعرت، رغم تزايد قوتها السياسية والعسكرية، أن حلبة الصراع المستقبلية ثقافية وإعلامية، لذلك، فقد عملت على تبييض سمعتها من خلال هيمنة إعلامية أمريكية تكرّس فيها حضوراً إعلامياً مسيّساً يسود العالم، ومنه يتم تصدير الخبر وفق أذرعها (البيت الأبيض- وزارة الخارجية بشبكة سفاراتها- وزارة الدفاع التي تشكل أحد أكبر احتكارات جمع المعلومات ومعالجتها وتصنيعها في العالم)، يقول أحد مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية: «إن الدبلوماسية العامة الأمريكية ذراع حيوية جديدة في إعادة تعريف العالم بأمريكا»، وهذه الذراع ليست إلا مجموعة وسائل تستخدمها أداة دعاية سياسية (صور ذهنية– إعلام – علاقات أمريكية– مع التذكير بالتأثير المباشر لـ«اللوبي الصهيوني» في هذه العلاقات).
كل ذلك لإصلاح السمعة المتضررة لواشنطن نتيجة السلوكيات الإجرامية التي تمارسها في العالم، وما ادعاؤها «نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب» إلا قرنان «تنطح» بهما لدمار العالم وتخريبه، وليس العكس.
فلا الديمقراطية شرط محقق وملموس بعد حروبها الإجرامية، ولا الإرهاب انحسر بعد تبنّيها «محاربته»، ودليلنا ظهور «القاعدة» وانبثاق «داعش» عنه كتنظيم إرهابي مسلّح تدعي واشنطن «محاربته»، رغم التأكيد أنها صنيعة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ورغم أنها لاتزال تقوم بتحريك رقعة الحضور الإرهابي حسب أجندة مصالحها السياسية، وتوفر ما أمكن لنموّه وتطوّره.
هوارد زين المؤرخ الأمريكي يقول: «كيف يمكن أن تشن حرباً على الإرهاب بينما الحرب في حد ذاتها إرهاب»؟!
سؤال جمع بين مفرداته الجواب الأمثل الذي لم تستطع المنظمات الأممية الدولية أن تتبنّاه، وتكون بحقّ منظمات حقوقية لا تسمح لواشنطن ولا لسواها باختراق القوانين والمواثيق الدولية، وانتهاك السيادة الدولية تحت عناوين «الحرب كرمى نشر الديمقراطية»!
ولتجيد أمريكا تطبيق مقولة نيتشه: «أن تحمل ضميراً فاسداً أسهل من أن تحمل سمعة رديئة»، عليها التخلّي عن الاستعراضات الفاشلة التي لن يكون آخرها: (إعلانها القضاء على «داعش» في سورية والعراق)!

m.albairak@gmail.com

print