اقتفاء أثر التبدلات في التجارب الفنية يثير عدة قضايا موازية، هل الفنان هو من يتخذها بقرار مسبق؟ أم إن انزياحات الواقع في كل مرة تفرض تبديل الأساليب وشخصية الفضاء الذي يتحرك فيه الفنان؟. وبمعنى آخر، هل العمل الفني مرآة لما يجري أم واقع مواز يستشرف الواقع الأصلي ويرسم ملامح لا تتصورها المخيلة العادية؟. في هذا الفضاء تدور الكثير من لوحات الفنان نبيل السمان الذي افتتح معرضه في صالة جورج كامل في دمشق بعد ثماني سنوات من الحرب والحصار كانت بركاناً على صعيد الفنون الإبداعية، وهذا لا يقتصر على الرسم وحسب بل يطول فنون الكتابة والموسيقا وكل الاختصاصات الأخرى!.
تحضر الجداريات بشكل لافت في المعرض، وهي ليست مرتبطة بإمكانية المكان في استقبال هذا النوع من الأعمال، إنما على الأرجح ترتبط بضرورة تكبير العدسة على أشياء بعينها كي تبدو غير مواربة بالنسبة للرائي كي لا تذهب مخيلته بعيداً في التأويلات، شخصيات ضخمة مع عناصر وأدوات تكاد تنزل من العمل كي تشارك في العرض الذي يتحول إلى مسرحي من شدة التدفق اللوني ليبدو الجميع جزءاً من لوحة أعم وأشمل هي الواقع بكامل دهشته وصدماته القاسية.. هل نحتاج إلى استرجاع الأسطورة كي ننبش الماضي ونحتفي به؟ أم إن المقارنة مع الواقع حتمية من أجل تبيان التناقضات؟ لماذا تبدل موقع المرأة في تجربة السمان فأصبحت المايسترو القائد للكارثة، وفي حالات أخرى لبست دور الضحية المستوردة من حكايا الماضي لتثبت أن الواقع لم يتبدل فيه شيء جوهري على صعيد الفكر والسلوك؟ هكذا يبدو السمان بأسماكه الميتة التي ينتشلها من المستنقعات الآسنة، حالماً بينابيع الماء العذب، تلك الرموز الثابتة في تجربته الفنية إلى جانب طيور الحكمة رافقت التبدلات التي طرأت في هذا المعرض كنوع من إثبات الهوية، فاللوحات هنا لا تخلع جلدها كي تقول إنني أتبدل، بل أدارت البوصلة باتجاه شمال الحزن كي لا تضيع الجهات من الحدقات المركزة تماماً على سطوح القماش وهي تبحث عما يريده الفنان من كل هذا الانفجار اللوني والتبديل في مساحات «الزووم»؟.
يرسم السمان الانفجارات التي حصلت في أكثر من مكان وحصدت الأطفال والأمهات، وهنا تتبدل المرأة وترجع إلى ما وراء الكواليس كي تلبس دور المقتولة مع أبنائها في إشارة إلى حجم الهول.. المرأة المغتصبة المستوردة من الأسطورة السورية «أوروبا»، تبدو منتهكة من قبل الغرب الذكوري الذي لم يعبر المتوسط إلا بالاختطاف وسفن الموت!. الصورة الجدارية صادمة هنا حتى إن وسائل الإعلام تجنبت تصويرها بسبب حجم المواجهة الحاصلة.. في كل هذا تبدو المرأة هي المحرك في الأوركسترا وهي المايسترو عندما تعزف على الكمنجات في أكثر من عمل كأنها تعطي خلفية للمشاهد التي تزخّ على العيون المطروفة وهي ترفرف بشدة كي تلحق الوميض.. الأمومة والأنوثة صنوان للتمرد والاستهداف في آن واحد، لذلك سيكونان نقاط المركز في الدائرة الكلية للمعرض وللإهليلجيات التي تتناسل من حركة الدوران الكوني الذي تنشغل به لوحات السمان تاريخياً.. هناك نساء صغيرات يرافقن الجوقة ويشكلن مجتمعين يوتوبيا خرافية من استحضار المجتمع في جميع مراحل معاناته التاريخية والحاضرة لأن السؤال المهم هنا هو: كيف نرسم الفضيحة كي نبددها فلا تصبح أمراً مألوفاً في التعبير وفي مشاهدات العين..؟.
يرسم السمان حلقات لونية ودوائر تحتضن فضاءات موازية في العمل الواحد، وفي بعض الأعمال تأخذ تلك التطورية شكلاً للأجنّة المتوقعة ولادتها بعد حين من العمل، في هذا يأخذ العمل شكله الحكائي الماضوي من حيث القصة المعروفة، والحداثة من حيث التوقعات المتخيلة للخاتمة القادمة من دون شكل، ورغم أن خواتيم السمان تبدو متفائلة بناء على رهانها على الحيوية السورية الحضارية، إلا أنه يستسلم في لوحات أخرى لليأس، ربما كنوع من التحفيز وللتذكير بأنه الخيار الكارثي إذا لم يكن التفاؤل هو من يحرك البوصلة.
يستنفر السمان مزاجة الألوان ويستولدها بجميع أنواع التدرجات، ورغم أنه يعطي للألوان الحارة مكان الصدارة، إلا أنه يميل إلى الأرجواني السوري والأحمر المتدفق مع الخيارات المضاءة بعيداً عن الرماديات لأنها تعني الحيادية في هذه المرحلة من التجربة، التي قلنا إنها تحاول أن توازي الواقع أو تحاول أن ترسم واقعاً جديداً مختلفاً عن الفاجعة اللونية التي سببتها الحرب على صعيد المخيلة عندما تشوهت الشبكية وباتت العين رجراجة غير قادرة على القبض المحكم بسبب الصور المنتهكة للذات الإنسانية.. علينا إحياء الجماليات إذاً، يقول السمان وهو يدفع الذاكرة الماضوية بالأسطورة إلى المقدمة في بعض الأعمال، حتى الأسماك المعرفية التي تستخدم كدليل حياة، تتحول إلى كائنات منتشلة من مستنقعات آسنة يؤكدها لونها الباهت وعيونها المغشاة.. تفاصيل لابد من الدخول إليها أثناء تفكيك العمل الفني المملوء بالعناصر والمفردات.. ترى هل كان السمان بحاجة إلى كل هذا الحشد اللوني والمادي حتى تكون الصدمة أكبر من التوجس؟.
رهان السمان على الأكوان البديلة، يولد جماليات ضرورية حتى في تجميل الفاجعة وتقديمها عبر طقوس احتفائية قريبة من الكوميديا السوداء، وكلما كانت الإشارة إلى الموت أشد، كان الاحتفاء بالحياة أقوى، وهذا الأمر يأخذ البعد اللوني إلى جانب مفردات اللوحة الكثيرة، فمن شدة الانغلاق يمكن أن تأتي الانفراجات، هكذا يبدو السمان متواتراً متبدلاً بين ما تقوله مخيلته المستشرفة للمستقبل الصعب، وما تفرضه أفكاره التي ترى أن الانبلاجات سوف تحدث ولو بعد حين!. كيف يمكن أن نتخيل العين إزاء هذه الثنائية التي تعني ضفتين يفصل بينهما نهر عظيم؟.
الثراء اللوني دليل يأس!. حقيقة نقدية صادمة للأسف، لكن السمان يفعلها بطفولية بريئة عندما يلهو بالريشة ويخبص الألوان مع بعضها كنوع من ردات الفعل والغضب من إخفاق بناء المخيلة بالشكل المشتهى.. هل علينا استنفار كل هذه الحشود كي ننتصر لذرة من الجمال؟ ثم ألسنا مغرقين في التفاؤل كثيراً عندما نراهن على تبدد قتامة العين ونحن نرسم منذ دهر كامل، من دون أن يشرق ضوء؟. السؤال الإبداعي يجيب عن نفسه في الأعمال نفسها، لكن بشكل موارب يقف على هامش الكادر الفني ومرات يطل برأسه بشكل خجول، لأن الفنان لا يشاء التورط بالتشاؤم أكثر من اللزوم لكنه يتركه كخيار حتمي إذا ما تم دحر الجماليات وإذا ما تعرضت الألوان إلى هزيمة أمام البشاعة.. يقول السمان: سنبدأ بتعبيرية جديدة كلما دعت الضرورة، والضرورة هنا هي السوداوية الحاصلة والمتراكمة في الواقع منذ أمد بعيد لا يكفيها بركان لوني كي تنقشع كما نرغب.. فبين الأنا الكاشفة والمحيط المتغاضي، إشكالية تسببت في ازدهار السريالية والإبهام والإغراق في الرمز.. تلك الفردية لا تبدو خياراً مفضلاً عند السمان، رغم إطلالتها بين حين وآخر من بين الحشد كأنها شاهد على الهامش، إنها العيون الحادة والشعور المسترسلة في حمأة الانفعال والمواجهة.. هي الأفكار المرسومة من ذاكرة السوريين الأسطورية التي ما فتئت تتشبه بطائر الفينيق.. وهي أيضا قبائل الأطفال المقتولين الذين يتحولون إلى بوالين ملونة تصعد إلى الفضاء.. تلك الثنائيات المتناقضة والمتصارعة تترك الباب مفتوحاً للخواتيم على مصاريعها المخلوعة من أنقاض المنازل والعلاقات المدمرة.. الألوان رغم بهائها وشدتها الحارة، تبدو مرهقة هنا بسبب المواجهات الثقيلة التي تحملها المخيلة.. تلك الأعمال الصادمة كانت تقول للمشهد كفى.. سنبدأ من جديد!.

print