كانَ وما زالَ وسيبقى للملتقياتِ والصالوناتِ والمنتدياتِ الأدبيةِ الدورُ المهم والبارزُ في الارتقاء بالحالةِ المجتمعيةِ تُجاه الوعي والنضوجِ والانفتاحِ الثقافي المعرفي، لكونَها تتيحُ اللقاءاتِ والحواراتِ الفاعلةِ والجادةِ بين أهل الاختصاصِ من فكرٍ وفنٍ وسياسة وفقه من جهة، وبين الحضورِ من طلبةِ متعةٍ أو دهشةٍ أو لَذّةِ المعرفةِ من جهةٍ أخرى، هذا ما أكده الشاعر عباس حيروقة خلال المحاضرة التي ألقاها في المركز الثقافي في بانياس تحت عنوان «المشهدُ الثقافي بين التردي والارتقاء- الملتقيات أنموذجاً» تحدث فيها عن تاريخ الصالونات والملتقيات الأدبية وكيف أخذت شكلها الفعلي في دار سكينةَ بِنتِ الحسينْ (671م- 742م) في الحجاز آنذاك، وفي دار ولادةَ بِنتِ المستكفي (994 -1091) م، في قرطبة، وكيف بدأت هذه الظاهرة الحضارية بالتنامي حيناً وبالخمولِ أحياناً بحسب توافرِ رموزِ فكرٍ وأدبٍ أو واقعِ الحالِ السياسي والاقتصادي, وكيف شهد مَطْلَع القرنِ العشرينِ تنامي وتطور هذه الصالوناتِ فكان أولَ ما كانَ صالونُ الأديبةِ مريانا مرّاش في حلب وصالونُ الأديبةِ ماري عجمي في دمشقَ, ومي زيادة في مصر، وصالونُ ثريا الحافظ في حي المزرعة في دمشق، وصولاً إلى صالونِ الأديبةِ المعروفةِ كوليت خوري التي كانت تتعاونُ مع بعضِ رموزِ الأدبِ والفكرِ لتنظيم لقاءاتٍ غيرِ دوريةٍ في منزلها – حي القصاع – ومناقشةِ العديدِ من القضايا الفكريةِ والأدبية.
وأشار حيروقة إلى أن الملتقيات والصالونات والمنتديات الأدبية كثرتْ في النصف الثاني من القَرن العشرين وازدادت انتشاراً في العديد من المدن والمحافظات السورية، حيث عَمِلت جنباً إلى جنب مع المؤسساتِ الثقافيةِ الرسمية للنهوض بواقع حالِ المجتمع، وبضخ جرعاتٍ من الوعي المعرفيِّ لخلقِ حالةٍ من النهوض والانفتاح، استضافت العديدَ من رموز الأدب والفكر والفن والسياسة وفتحت الآفاقَ للحوارات الحرةِ والمهمة في جميعِ مناحي الثقافةِ، كلُ هذا ساهم في رسم ملامحِ صورةٍ حضاريةٍ لمجتمعٍ حضاري.
ومن أهم هذه الملتقيات: ملتقى (شآم والقلم) الذي يُشرف عليه الأديب محمد حوراني وما من متابع إلا يدركُ أنه حقق حضوراً نوعياً من خلال أهمية المواضيع المطروقة واستضافتِه رموز الفن والأدب والسياسة والإعلام، إضافةً لملتقياتٍ أخرى قليلة أيضاً اشتغلت على ذاتها بفضل بعض القائمين عليها ووعيهم المعرفي مثل ملتقى جرمانا الثقافي الذي تديره وتشرفُ عليه نخبةٌ من أدباءِ دمشقَ ونقادها.
ويذكر حيروقة أن ثمةَ ملتقيات مازالت تعملُ وفقَ مفرداتها الخاصة المتواضعة مثل مصياف وبانياس– والقدموس وصافيتا والدريكيش، كما أن هناك ملتقيات أغنتِ المشهد الثقافيَّ ولكنها لم تستمرْ مثل ملتقى أحمد كنعان وملتقى كلمات وشعراء دمشق وملتقى نصف الكأس الذي مازال بين بين من خلال إقامة نشاطاتٍ متباعدةٍ .
وأشار إلى انتشارِ ظاهرةَ الملتقياتِ والمنتدياتِ الأدبيةِ على شبكات التواصلِ الاجتماعي أو ما يسمى العالمِ الافتراضي (الفيس بوك) هذا الذي أتاح للجميع من دون استثناء، صغاراً وكباراً، ممارسةَ المشتهى من فعلِ الكتابةِ والتدوينِ.
ويذكر الشاعر حيروقة أن هناك ملتقياتٌ جمّعت ما جمّعته من الباحثينَ عن المشتهى عبر مفرداتٍ بعيدةٍ عن الشعر والأدب والفن الحقيقي ..فنرى أنهم بعد أن توهموا بتشكيل ما يمكن أن تكونَ ظاهرةً إبداعيةً يحاولون أن يخرجوا من ذاك العالم الأزرق إلى عالمٍ أكثرَ أثراً وتأثراً وهو عالمُنا الحقيقي الواقعي الملموس، فيطرحون في مراكزنا الثقافية ما تدربوا عليه هناك مجتمعين نساء ورجالاً وفق برنامج دقيق بدءاً من التعارف وتبادل التحيات وليس انتهاء بسهرات لا تليق إلا بهِم، ملتقياتٌ أخذت شكلاً يتوافقُ وحالَها في الواقع الافتراضي الذي كانت عليه من حيثُ المستوى الإبداعي الهش الواهن والتعامل القائم على المدح المجاني ومنح الأوسمة والألقاب.
وثمة ظاهرةٌ جِدُّ خطيرة –حسب الشاعر حيروقة- استشرت في أوساطِنا الثقافيةِ ألا وهي منحُ شهاداتِ الدكتوراه من قبل تلك الشخصيات الهلامية من أصحاب الملتقيات والمواقع في ذاك العالم الافتراضي لشخصيات تشابههم إن لم تتطابق معهم في المستوى الثقافي– الأخلاقي– وكذلك الأمر يصابون بلوثة الـ د. ويستمرئونها، ومن المضحك أنهم يطلبوا من الجهات الرسمية تقديمَهُم بهذه الدال .

طباعة

عدد القراءات: 5