البحث في شعر مظفر النواب هو بحث في أصالة المشاعر الإنسانية التي تكتب الحدث والتاريخ، لأن النواب مؤرخ ثوري يكتب بالشعر علم الشعب وتاريخ مدن الفقر والمخيمات، ويدوّن بحروف ملتهبة غاضبة آلام المقهورين والمعذبين ويتامى الوطن، وهو بجانب كل ذلك شاعر مشبع بحب الحياة وقوتها، مشحون بالشاعرية المرهفة، مفعم بالأحاسيس الإنسانية الصادقة، لقد جسّد في الشعر آلام الإنسان العربي بوعي هادف، وحسّ عفوي صادق، ورسم بالريشة خطوط معاناة ذلك الإنسان في مسيرته نحو رفض الظلم أينما وجد، وهذه السطور تترجم ما حملته كلماته من معاناة إنسان هذا الزمان العربي الرديء، لعلها تلقي بعض الضوء على مسيرة شاعر أحبه الناس.
ولد شاعرنا مظفر النواب في بغداد/ الكرخ عام 1934 وجده هو الذي اختار له هذا الاسم، وفي مرحلة الدراسة المتوسطة صار مظفر النواب يشارك بقصائد في الصحف الجدارية التي تنظم في المدرسة، وذات مرة عرض على مدرّسه في المدرسة قصيدة نظمها على غرار إحدى قصائد أبي تمام، فانبهر المدرس، وفي فترة الصبا بدأ الشاب مظفر يميل إلى الرسم وكتابة الشعر والقطع الأدبية الصغيرة، وكان يحتفظ بها ويحرص عليها، ولما أكمل دراسته الجامعية ذهب إلى اليونان وأقام فيها أربع سنوات، ثم سافر إلى فرنسا بهدف الدراسة، وسجل رسالته لنيل درجة الماجستير حول موضوع القوى «الخفية في الإنسان» (باراسايكولوجي)، ثم قام بزيارة دمشق هو والشاعر بلند الحيدري، وسكن في أحد فنادق المرجة، وفي دمشق وُجهت له دعوة لاستضافته، وكان دائماً يتغنى بدمشق، ومن قصائده فيها:
دمشق عدت وقلبي كلّه قرحٌ
وأين كان غريب غير قُرح
أما قصيدة (قراءة في دفتر المطر) فقد كتبها الشاعر مظفر النواب عام 1969 في بيروت وهو جالس في مطعم صغير يتناول غداءه في شارع الحمراء، وكان الناس يتكلمون بكل اللغات إلا العربية، ما جعل الشاعر يشعر بالغربة، يقول فيها:
في الليل
يضيع النورس في الليل
القارب في الليل
وعيون حذائي، تشم خطا امرأة في الليل
امرأة ليست أكثر من زورق
أما الحب والمرأة فهما يحتلان مكاناً كبيراً في نفس الشاعر مظفر النواب، إلا أن حياة كحياته مشحونة بالأخطار والتنقل والترحال والاغتراب، ويلفها الغموض الاضطراري بسبب الاستهداف الدائم الذي يستشعره النواب بصورة متواصلة، لا يمكن أن تكون مناخاً ملائماً لحياة عاطفية مستقرة، ولذلك رغم أن الشاعر قد عاش قصة حب عاطفية عنيفة، لكن تلك القصة لم تخرج إلى النور، كما أنها لم تصمد أمام الأعاصير العاتية من التقلبات الجادة والمفاجئة والترحال الدائم الذي يكتنف حياته بصورة شبه متواصلة، وربما أشار إلى ذلك إشارات حزينة في شعره، حيث يقول في قصيدته (الرحلات القصية):
تفتح حزن كبير
غداة افترقنا
ولست على أحد نادماً
غير قلبي
فقد عاش حباً معاق
ولم ينس شاعرنا مظفر النواب فلسطين وقضيتها العادلة وحقوق الشعب العربي الفلسطيني ودور الكيان الصهيوني الإجرامي في حروبه المستمرة لأرض فلسطين وسكوت الحكّام العرب على ما تفعله «إسرائيل» اللقيطة بتدمير المعالم الحضارية يقول:
من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة؟
قتلتنا الردة..
قتلتنا أن الواحد منا يحمل في الداخل ضده
ما لبعض الناس يرميني بسكري في هواك
وهو سكران عمارات يسميها رضاك
أما في مجال الشعر (الشعبي العامي) فقد كان نصيب الشاعر مظفر النواب كبيراً ، فقد ضربت شهرته آفاق العراق، وتغنى بشعره الشعبي العامي أكثر من جيل، وحفظ قصائده مئات الألوف من الناس في الوطن العربي، ورددوا أبياته وأشعاره وأوصافه الجميلة الرقيقة، لحّن قصائده الملحّنون، وغناها المغنون، وترنّم بها العشاق والمحبّون.
وفي ديوان (للريل وحمد) المطبوع بالقصائد العامية الشعبية نجد غزارة القصائد، ومنها (للريل وحمد، مضايف هيل، عشاير سعود، زرازير البراري، سفن غيلان ازيرج، أيام المزين)، ومن قصيدة (للريل وحمد) التي غنانها الفنان ياس خضر هذا المقطع:
مرينه بيكم حمد
واحنه بقطار الليل
واسمعنه دك إكهوه
وشمينا ريحة هيل
يا ريل صيح بقهر
صيحة عشك يا ريل
هودر هواهم ولك
حدر السنابل كطه
وما دمنا في الحديث عن الغرض السياسي في شعر النواب فلعل من حقنا القول: إن شاعرية هائلة كالتي يمتلكها النواب وقدرة لغوية فائقة كقدرته وموهبة إبداعية مطبوعة كموهبته لا يحسن أن تكون حكراً على موضوع واحد وغرض واحد مهما كان، إلا أن ما يلفت النظر أن شعره في السياسة يأتي أحياناً على شكل عتاب وهو القائل:
أولئك أعداؤك يا وطني
من باع فلسطين سوى أعدائك أولئك يا وطني
من باع فلسطين وأثرى، بالله
سوى قائمة الشحاذين على أعتاب الحكّام
ومائدة الدول الكبرى
القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها
ذلك هو الشاعر مظفر النواب (مالئ الدنيا وشاغل الناس)، الشاعر المثقف والرسام والمناضل، الإنسان المشبع بالحنين والوفاء والعاطفية الصادقة، الشاعر الذي يحمل تراث أمة أنجبت المتنبي على أرض الكوفة في العراق…

طباعة

عدد القراءات: 2