آخر تحديث: 2020-08-04 19:54:02
شريط الأخبار

التنافس في تقرير: «دافـوس»!

التصنيفات: اقتصاد,اقتصاد محلي

لنبدأ القصة من أولها: «دافوس» هي بلدة سويسرية صغيرة اشتهرت منذ 2004 بوصفها مستضيفة للاجتماعات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي (world economic forum) الذي تجتمع فيه نخبة رجال السياسة والأعمال من دول العالم للتباحث في القضايا الاقتصادية. ومنذ القرن الثامن عشر، وكانت وجهة أثرياء المرضى الباحثين عن العلاج الطبيعي، لمناخها الفريد؛ وكان من المشاهير الذين قطنوها: الأديب الإنجليزي روبرت لويس ستيفنسون الذي عانى السل، وكذلك الروائي الشهير آرثر كونان دويل مبتكر شخصية شارلوك هولمز..
أما «منتدى دافوس»، فهو منظمة غير حكومية /لاربحية مقرها جنيف/ سويسرا، أسسها أستاذ الاقتصاد كلاوس شواب 1971؛ لتلاقي النخب لألف من ممثلي الشركات المتعددة الجنسيات الكبرى (نستلة ونايكي وميكروسفت..)، والقادة السياسيين لمناقشة المشكلات الاقتصادية العالمية.
يعقد المنتدى اجتماعاته السنوية في دافوس؛ إذ توضع الخطط والمشاريع الاقتصادية المشتركة، بخلق مناخ يسمح بالاستثمار بما يتطلبه ذلك من إصلاحات. وشروط عضويته تحتم: ألا يقل دخل الشركة عن مليار دولار سنوياً، واشتراك سنوي 12.500 ألف دولار، والمشاركة في المؤتمر 6.250 آلاف دولار، ولوضع أجندة المؤتمر: ربع مليون دولار.
ولكن كيف وأين يجري حساب مؤشر التنافسية؟.. يتم ذلك عبر استمارة فيها العشرات من التساؤلات عن (التعليم/ الصحة/ مؤسسات الدولة/ القضاء/ المجتمع المدني…الخ)؛ ويتم توزيعها على مئة شخص مختار- في كل دولة مشتركة- حيث يراعي التوزيع الديموغرافي، تمثيل الأنشطة الرئيسة، شمولية السن والثقافة والجندر) والأهم منح الرأي الصريح وعدم المحاباة أو التحامل! تأخذ الاستمارات طريقها لاحقاً (كما تفعله مثيلاتها من 144 دولة) إلى سويسرا ليتم تحليلها بدقة ضمن حاسوب عملاق، ويجري إعطاء «عوامل تثقيل» وفق معادلات معقدة جداً؛ ومن ثم يصدر تقرير التنافسية العالمية السنوي بعد قياس التنافسية للبلد من خلال ثلاثة أركان تتضمن 12 ركيزة رئيسة تتألف من 114 مؤشراً فرعياً.
برز تعبير «التنافسية» قبل زهاء عقود ثلاثة من الزمن.. وبسرعة مذهلة، تحول من مجرد لفظة متداولة إلى هدف تتسابق الأمم بغية الوصول لأحسن النتائج في سلمه.
ويكفي لمعرفة أهميته أن الولايات المتحدة صرحت بأن «هبوطها ولو درجة على سلم التنافسية… موضوع خطير جداً ويمس اقتصادها علاوة على أمنها القومي».
ولكن بداية: ما «التنافسية»؟.. بالتعريف: هي تفوق كيان ما على أقرانه ببيع سلعه/ خدماته، والبعض يعرفها هي قدرة الدولة على اختراق أسواق جديدة بالرغم من المنافسين، ويختزلها بعض الاقتصاديين بكلمات بسيطة مختصرة: وصول الدولة بمواطنيها للمزيد من الرفاه، في حين هي حسب منتدى دافوس الاقتصادي: «القدرة على توفير بيئة ملائمة لتحقيق معدل نمو مرتفع ومستدام».
عرض مايكل بورتر هذا المفهوم في ثمانينيات القرن الماضي، إذ ألَّف العديدَ من الكتب والمقالات في مجال الميزة التنافسية للدول، والمنافسة. وبات يُعرف أباً لمدرسة الاستراتيجية الحديثة.وهذا لا يعني أنه قبل بورتر لم تكن هنالك منافسة، ولكنها كانت غير متبلورة كنظرية، فكلنا نذكر أول منافسة في التاريخ: بين قابيل وأخيه هابيل؛ على الأنثى نفسها! ولطالما تنافست أساطيل إسبانيا وبريطانيا العظمى في العصور الوسطى على المستعمرات! والتنافس المحموم اليوم بين بيبسي كولا وكوكا كولا لجذب الزبائن لاحتساء زجاجة المرطبات!
وأكثر ما يركز عليه بورتر في أهدافه هو الكيفية الواجب اتباعها من قبل مؤسسة أو دولة ما لبناء ميزة تنافسية ويصنف القوى التنافسية ضمن خمس قوى؛ هي: تهديد المنتجات البديلة، وتهديد دخول منافسين جدد، وحدة المنافسة من الخصوم، والقوة التفاوضية للعملاء، والقوة التفاوضية للموردين.
وهنا نطرح تساؤلاً: هل نتكلم عن تنافسية دولة ذات كيان؛ أم عن مؤسسة تجارية ما؟والجواب: وهل هنالك فرق؟ فالدول تتعامل مع بعضها كالمؤسسات المتنافسة، فإيطاليا تروج لإنتاجها من زيت الزيتون؛ وكذا تفعل إسبانيا، تسوِّق فرنسا السياحة في معالمها وكذا تفعل بريطانيا، أمريكا تدعو للدراسة في جامعاتها، وتكاد تبزها في ذلك كندا، أليست هذه تنافسية؟ألا تعلن كل دولة للعالم عن كونها منافساً في مجال محدد؟!
ولكن، لماذا نتجشَّم عناء قياس متحولات والقيام بوضعها في معادلة وإدخالها في «الصندوق الأسود» في دافوس/ سويسرا؛ وانتظار إطلاق التقرير السنوي؟
المسوغ واضح: انتظار التقييم ورؤية النتيجة السنوية؛ وتالياً التوثق من صحة السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تتبعها الحكومة؛ وضرورة تعديلها إن اقتضت الضرورة للوصول للنتائج الأمثل. تنافس فريق التجديف الياباني مع آخر من بلد نامٍ، وتدرب كلا الفريقين؛ نتيجة المباراة تغلب اليابانيون بفارق ميل واحد. جرى التعاقد مع شركة استشارات للتمحيص في الأسباب فوُجد أن الفريق الياباني لديه ثمانية مجدفين ورئيس واحد، بينما الفريق الآخر مجدف واحد وثمانية رؤساء! (بعد أسابيع من البحث والتحليل وملايين أنفقت تم الوصول لحل عبقري: إعادة «هيكلة» الفريق؛ حيث أربعة مديرين فرعيين؛ وثلاثة مديرين أساسيين، وشخص للتجديف بعد الخسارة بفارق ميلين هذه المرة.. تم الاحتكام للشركة الاستشارية التي أوصت بطرد المجدف لأدائه الفاشل؛ ومنح مكافأة للرؤساء بسبب انكبابهم على عملهم وطلبهم تصميم قارب جديد!
ألا يحصل هذا أحياناً –وعلى نحو مرير- في واقع الأمر؟

طباعة

التصنيفات: اقتصاد,اقتصاد محلي

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed