في آخر تصريحاته المثيرة للجدل والتناقض قال الرئيس ترامب في مقابلة مع وكالة «سي بي إس نيوز» قبل أيام: «إن بعض القوات الأمريكية الموجودة في سورية ستبقى هناك لحماية إسرائيل». وأضاف أن الولايات المتحدة «أنفقت أموالاً أكثر من أي دولة أخرى في التاريخ لحماية العالم».. وعلقت مارغاريت برينان التي أجرت المقابلة معه أن ما قاله يعد تحولاً عن قراره بسحب كل الوحدات الأمريكية من سورية، وكان قد أعلن في مناسبة سابقة أن «إسرائيل تستطيع وحدها الدفاع عن نفسها» ثم ها هو يبين أن احتفاظه بعدد من الوحدات الأمريكية في شمال شرق سورية هو لحماية «إسرائيل» وهو الذي يعرف أن الولايات المتحدة لم تستطع حماية «إسرائيل» حين هزمت في عدوان تموز 2006 أمام المقاومة الوطنية اللبنانية.. وحتى حين كان لها أكثر من 200 ألف من الجنود الأمريكيين في أراضي العراق وعلى مقربة من المنطقة السورية نفسها التي تريد واشنطن الاحتفاظ فيها بوحدات من ألفين من الجنود.
لقد شهدت السياسة الأمريكية منذ الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق نهاية 2011 تحولاً دفعها إلى اتباع سياسة تصعيد عمليات إشعال الحروب ضد عدد من الدول العربية، وفي مقدمها سورية وليبيا واليمن، وتغيير بعض الحكام العرب في عدد من الدول الصديقة لها مثل مصر وتونس، بهدف تأسيس شرق أوسط جديد بعد تقسيم وتجزئة هذه الدول إلى كيانات متنازعة، فتم إشعال الاضطرابات المفتعلة في سورية وليبيا ومصر بتمويل ودعم مباشر وعلني من عدد من الدول الحليفة للولايات المتحدة، وبخطة منهجية تقودها واشنطن وتعزز فيها قوة التنظيمات الإرهابية ومن دون أن تستخدم جندياً أمريكياً واحداً على الأرض.
وبعد فوز ترامب بالرئاسة الأمريكية صرح علناً أنه لن يحمي دولة في المنطقة إلا مقابل ثمن تدفعه هذه الدولة من أموالها، وكانت «إسرائيل» هي المستثناة من دفع الأموال مقابل حماية واشنطن لها ولأهدافها، لأن واشنطن هي التي تدفع لها ما يزيد على ستة مليارات دولار في كل عام، بل كافأها باعترافه بالقدس المحتلة «عاصمة» لها وبإعداد ما يسمى «صفقة القرن» لتصفية حقوق الشعب الفلسطيني، ولم يبق في أسوأ الظروف سوى أن يطلب من بعض الدول العربية نشر جنود عرب لحماية الاحتلال الإسرائيلي مقابل حمايته حكام هذه الدول مادامت الاستراتيجية الأمريكية التاريخية تقوم على حماية الاحتلال الصهيوني والمشاركة في توسيع أهدافه العدوانية في الأراضي العربية.
وبينما تدعو الضرورة إلى أن تكون أولوية جدول أعمال الدول العربية هي انهاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة- وهو ما تطالب به سورية والعراق وإيران والجزائر وغيرها- تقوم إدارة ترامب بزيادة عدد القوات الأمريكية في بعض دول المنطقة، وتدعو بشكل غير مسبوق إلى تأسيس حلف أمريكي عسكري على غرار حلف الأطلسي تضم إليه عدداً من الدول العربية التي بدأ بعضها يتقارب مع «إسرائيل» بأشكال شتى، سرية وعلنية، بحجة «إيران» وامتداداً للمؤامرة المكشوفة باتجاه افتعال حرب طائفية في المنطقة.
ويشير الوضع الراهن من المنظور الإسرائيلي إلى أن هذا الكيان وجيشه أصبح في هذه الظروف عاجزاً بعد انتصار سورية وحلفائها، عاجزاً عن شن أي حرب «وقائية مسبقة» يحقق فيها أهدافه، وهذا يعني أنه بحاجة إلى المزيد من القوة البشرية لمواجهة التحديات التي فرضها عليه هذا الانتصار السوري، وبحاجة إلى الاستعانة بأوراق قوة لمصلحته، لا تقتصر على وجود قوات أمريكية فقط، بل على توظيف دول ضد أخرى من دول المنطقة.. ففي آخر تقدير استراتيجي للوضع الإسرائيلي صدر عن معهد «أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» في كانون الثاني الماضي عن عام 2018 وبداية 2019 يقول الجنرال المتقاعد الصهيوني عاموس يادلين: إنَّ التحديات التي تواجهها «إسرائيل» في الساحة الشمالية السورية– اللبنانية ازدادت في مجرى السنة الماضية والقيود التي تفرض على العمليات من المتوقع أن تزداد سوءاً في الـ 2019.
وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» قد أشارت في تشرين الأول 2018 على لسان العميد المتقاعد يتسحاق بريك إلى وجود «خلل ونقص في مدى استعداد الجيش الإسرائيلي لخوض حرب مقبلة» وقدم نصاً من 270 صفحة للجنة التفتيش والرقابة التابعة للكنيست نشرت الصحيفة جزءاً منه على لسانه أن «الجيش يعاني أزمة في القوة البشرية» وأن «الجنود يتوجهون إلى مواقعهم وهم يحملون أجهزة الموبايل» وأن «إسرائيل قد تتعرض للسقوط في أي حرب إذا بقيت هذه النواقص».
ومهما كانت طبيعة هذه التقديرات أصبح الكيان الصهيوني يدرك أن «جبهة الشمال» كما يسميها تحولت إلى قوة إقليمية لا يمكن إيقاف عجلة زيادة قدراتها وإمكاناتها العسكرية والسياسية.

print