في تموز 2016 أصدر الكونغرس الأمريكي قانوناً مثيراً للجدل يفرض مزيد من الإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب تحت مسمى «عقوبات» ضد الدولة السورية، وجميع الجهات والأفراد الذين يتعاونون معها، حينها عدّ «قانون قيصر» موجهاً ضد روسيا وإيران بشكل خاص، وأنه لن يكون موضع تطبيق جدي، لكنه سيبقى سلاحاً في يد الولايات المتحدة تستخدمه في المفاوضات السياسية، وتلوح به عند اشتداد المعارك.
ما بين عامي 2016 و2019 جرت مياه كثيرة تحت جسر الأزمة في سورية، فإيران وروسيا قدمتا كل الدعم اللوجستي والاقتصادي الممكن، واجتهد تحالف العدوان في مخططاته ومشاريعه السياسية والعسكرية «لكسر» صمود سورية من دون نتيجة تذكر، لكن «قانون قيصر» ظل طي الأدراج، واستخدم بشكل خجول في بعض الحالات الاستعراضية التي هدفت إلى التأكيد أن الولايات المتحدة هي «صاحبة اليد العليا».
خلال الأسابيع الماضية ارتفعت النبرة الأمريكية في الحديث عن «قانون قيصر»، وتزامن ذلك مع حملة واسعة ضد سورية استغلت النقص الحاد في بعض المواد الأساسية وخاصة الوقود، وهي الحملة التي تغاضت كلياً عن دور الحصار الاقتصادي الظالم في الكثير من الأزمات المعيشية التي تظهر بين وقت وآخر، لقد بدا للجميع أن الولايات المتحدة جادة في وضع هذا القانون موضع التنفيذ، ولعل قيام الحكومة بعقد اجتماع لمواجهة تداعيات الإجراءات القسرية «الجديدة» المفروضة على سورية، يمثل خير دليل على استشعار جميع الأطراف لجدية تنفيذ «العقوبات» التي ينص عليها القانون، فما الذي أعاد «قانون قيصر» إلى الحياة؟
العامل الأول الذي ساهم في إحياء القانون، هو الخبرة السيئة للولايات المتحدة في تعاملها مع الملف النووي الإيراني، فما بين عقد الاتفاق النووي وإلغائه، دخل الكثير من الشركات الأوروبية، وضُخّت استثمارات بمليارات الدولارات في السوق الإيراني، لكن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الشركات التي تتعامل مع إيران، وضعت الكثير من شركائها الأوروبيين أمام معضلة اختيار أقل الخسائر، فالانسحاب من السوق الإيراني يعني خسارة مليارات لا تعوض، وخاصة في ظل الركود والأزمة التي تعيشها الاقتصادات الرأسمالية، في المقابل فإن أياً من هذه الشركات لا يستطيع المخاطرة بخسارة السوق الأمريكي الذي ما زال يعد أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم. لقد أدى تضارب المصالح داخل المعسكر الرأسمالي الواحد، إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية والسياسية، وهو ما دفع ببعض الدول الأوروبية إلى سحب مشاركتها في الحروب الرأسمالية في منطقتنا، كما فعلت الدانمارك، اليوم تخشى الولايات المتحدة من تكرار السيناريو الإيراني في حال دخلت الشركات الأوروبية بشكل مباشر أو غير مباشر في عملية إعادة الإعمار في سورية.
العامل الآخر الذي أسهم في تفعيل «قانون قيصر» هو التطورات على الأرض التي أحبطت جميع المخططات والسيناريوهات الأمريكية، بما فيها الانسحاب من مناطق شرق الفرات، ومحاولة خلق فراغ يُدخل جميع الأطراف في حرب استنزاف طويلة الأمد، ما يخفف الضغط على إدلب، الحصن الأخير الذي يتمترس المشروع الأمريكي خلفه ويحاول استعماله كورقة ضغط في أي مشروع أو محادثات سياسية.
لكن حسابات الحقل الأمريكي لم تطابق حسابات البيدر السوري، فقد تحلت القيادة السورية بالصبر والرؤية الاستراتيجية التي تحصنها من الانجرار إلى الفخ الأمريكي.
في هذا المجال لابد من الإشارة إلى تطورين مهمين، يجعلان الصورة أكثر جلاءً: الأول ما أورده السيد حسن نصر الله في لقائه مع الميادين، من أن الجيش العربي السوري وحلفاءه كانوا جاهزين في لحظة معينة لفتح معركة إدلب بدعم كامل من الحليف الروسي، وأن هذه العملية تأجلت بناءً على وساطات دولية أرادت إعطاء فرصة أكبر للحوار، هذه الرسالة تمكن قراءتها مستقبلياً على أنها موجهة لحلف العدوان لتقول له: من كان مستعداً لخوض معركة قبل عام من عمر الأزمة، فهو بالتأكيد أكثر قدرة على خوض هذه المعركة اليوم.
أما التطور الثاني فكان اتفاقية التعاون الاقتصادي الاستراتيجي بين سورية وإيران التي وصفها الطرفان بأنها تشكل «لحظة تاريخية» في إطار التعاون بين الطرفين، وشمل الاتفاق مجالات السكك الحديدية، والاستثمار والتعليم والثقافة وبناء المحطات الكهربائية، ما يشكل رداً عملياً ومباشراً على تفعيل «قانون قيصر» لكنه بالتأكيد ليس رد فعل، فمثل هذه الاتفاقيات لا تعد بين ليلة وضحاها، فهي تستلزم وقتاً للتحضير والصياغة، لكن التوقيت ربما كان مقصوداً لتصل الرسالة إلى كل من يعنيه الأمر.
«خلف كل قيصر يموت، قيصر جديد»لقد عقدت الرأسمالية صفقتها المعتادة مع الرجعيين وأعداء الشعوب، ودروس التاريخ تعلمنا أنها في كل مرة فعلت ذلك منيت بالهزيمة؛ هذا ما حدث في فييتنام، وما يحدث في سورية، وما سيحدث في فنزويلا. ستبقى الرأسمالية الشر المطلق، وستبقى الشعوب وقواها التحررية الخير المطلق، وسوف يستمر الصراع الأزلي بين الخير والشر.

*كاتب من الأردن

print