في تحليل حوار العام الذي أجرته قناة «الميادين» مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله..أي رسائل جديدة، وأي جديد في البيئة الاستراتيجية للمنطقة؟..سأحاول تحليل أهم الأفكار التي تناولها زعيم المقاومة اللبنانية بالقدر الممكن من المقاربة الموضوعية.. وهي مهمة يصعب إحرازها لأن لا أحد يقف هنا أو هناك على الحياد.
هناك ما يميّز خطاب الأمين العام خلال كلّ هذه السنوات، تمييزاً لا تؤثّر فيه حالة الحرب أو التهدئة، أعني بذلك عدم السقوط في الانفعال.. ولقد قلنا مراراً إنّ حالة الانفعال قدر الفاعل في معادلة الصراع، لكن نقصد هنا الانفعال النفسي الضروري الذي لا يعطّل الرؤية العميقة لحقيقة وصيرورة الصراع.. وعلى خلاف ما تعودنا عليه في المنطقة العربية أن الانفعال لا يقف في حدود الأحاسيس بل يؤثّر في التحليل الاستراتيجي فينتج التبسيط القاتل.. ثم إنّ الخطاب هنا على الرغم من أنه يصدر عن مقاومة فهو يخلو من كل آثار الحقد، فهو خطاب السّواء النّفسي الذي تخطّى حالة الانفعال ليصبح شكلاً من المقاومة النفسية، بل الانتصار على كل أشكالها، وصولاً إلى ممارسة الحرب النفسية على كيان ما زال في نظر المقاومة يبدو أكثر هشاشة مما تمّ تسويقه خلال أزمنة الهزيمة.. العمق في النظر والسواء النفسي كلاهما ميزتان لخطاب سيد المقاومة.
في هذا الخطاب أثارني أكثر من زاوية، لكن الزاوية الأساسية التي يجب الوقوف عندها على نحو أساس هي علاقة المقاومة اللبنانية بالدولة اللبنانية.. هنا لا أتحدّث عن العلاقة الآنية بشروطها الموضوعية بل عن فكرة المقاومة وفكرة الدولة.. لقد أظهر حزب الله- منذ الوثيقة السياسية التي شكلت يومئذ حدثاً لتقوية الثّقة بوظيفة المقاومة وغاياتها- أنه حزب واقعي.. وواقعيته مصدر من مصادر انتصاراته.. كما أنّ أهم مصاديق الواقعية هو موقفه من الدولة كمفهوم وكواقع.. نستطيع التأكيد هنا أنّ الحزب الذي يختلف عن سائر الأحزاب التي غايتها بلوغ الحكومة- وقد أكد الأمين العام أنهم لن يقبلوا بها حتى لو عرضت عليهم- لأنه حزب مقاومة، يتعاطى مع المقاومة فوق كل سقوف التحدي، لكن تحت سقف المطلب التاريخي للدولة.. وفي كل تجارب الحزب في التعاطي مع الدولة اللبنانية كان يمنح هذه الأخيرة ميزة السيادة في القضايا التي تتعلق بالملف الأمني.. نعم هنا يجب التمييز بين الدولة والحكومة.. ما يؤكد أن الحزب قد تكون لديه مشكلة مع سياسات حكومة يظهر أنها أحياناً تتصرف خارج منطق السيادة ولكن ليست له مشكلة مع الدولة اللبنانية بمؤسساتها وثوابتها التي هي مصدر وجودها واستمرارها.. في هذا الإطار، أظهر الحزب الكثير من الليونة بشأن الكثير من القضايا التي تتعلق بتسريع تشكيل الحكومة.. كان الحزب يستند دائماً إلى فكرة الدولة وسيادتها حيث المقاومة هي ضامن لقوة لبنان بينما كان خصومه الداخليون في الأغلب يستقوون بالذهاب باتجاه زعزعة الاستقرار وخيارات الحرب الأهلية.. يعد ذلك إنجازاً للحزب إذا ما قرأناه في سياق وشروط الوضع اللبناني إقليمياً ودولياً.. وحتى الآن وهو ما يمكن أن يدركه الناظر إلى حقيقة ما يجري على الأرض أنّ الدولة اللبنانية مدينة للحزب ومقاومته في قوة موقفها وفي عدم تفككها ولاسيما خلال ثماني سنوات سقطت فيها المنطقة في رهانات الحروب الأهلية إلاّ لبنان الذي كان مستهدفاً وبدا خاصرة ضعيفة قاد الأزمة بمنطق حضرت فيه الدولة على نحو كبير.. ولأنّه كذلك أجاب السيد الأمين العام عن نتيجة القمة الاقتصادية العربية بالكثير من الإيجابية خلافاً للمتوقع، فقد عدّها معقولة من حيث هي إنجاز على كل حال حصل داخل الدولة اللّبنانية، كما أنّه رسم لنفسه حدوداً للمقاومة من اختصاص الدولة، أقصد فيما يتعلق بترسيم الحدود، ويعد أنّ مسألة الحاجز المنصوب داخل الأراضي اللبنانية ستكون مستهدفة دائماً وأنّ الأمر يتعلق بتحديد الدولة اللبنانية حدودها وليس ذلك من اختصاص المقاومة، حين يقول السيد الأمين العام إنّهم يدركون حدودهم وإمكاناتهم فهو هنا يتحدث عن تدبير أمثل لعلاقة المقاومة بالدولة.
غير أنّ الدولة التي يتحدث عنها الحزب يجب أن ترقى إلى مستوى الإنجاز الذي قامت به المقاومة، إذ يجب عدم التراجع عن المكتسبات.. إن اليقظة والجهوزية لمواجهة أي محاولة لتغيير قواعد الاشتباك تمنحان الدولة اللبنانية هامشاً حقيقياً للنهوض بمقتضيات سيادتها المكملة.. حتى الفرقاء الذين يعارضون الحزب في الحكومة هم اليوم يتمتعون بالمناخ المتقدم الذي حققته انتصارات المقاومة للحالة اللبنانية والحكومة.
في هذا الحديث المطول أيضاً نقف على مستوى مما يمكن أن نسميه التطور البلاغي للمقاومة، تكمن ملامحه في تعزيز الخطاب بمضمون علمي وليس مجرد استدراج للكلام.. هنا يعبر سيد المقاومة أنه ليست هوايتهم أن يتكلموا.. وهذا عنصر أساس في كسب المعركة حتى داخل اللّغة.. هناك حقائق أساسية في أفعال الكلام.. ولأنّ للكلام تأثيراً يصنعه المتكلم ويحمل مضموناً تربوياً فإنهم غير معنيين بالكلام للكلام، بل الكلام هو للفعل.. ومن ناحية أخرى، إنّ فترة الصمت التي التزم بها الحزب منذ انطلاق شرارة ما سُمي عملية درع الشمال كان الغرض منها أمرين: أولاً عدم الاستسلام للاستفزاز وتالياً للاستدراج للكلام، فالكلام حين يكون نتيجة استدراج يكون أضعف ويفقد عنصر الفعلية ويصبح مجرد انفعال.. إنّ اختيار التوقيت جزء من استراتيجيا فعل الكلام.. وسوف ندرك قيمة استراتيجيا فعل الكلام في نمط اللقاء الذي كان طويلاً مستوفياً شروط الإبلاغ والتفهيم، بينما كانت سلطة الكلام فيه لسيد المقاومة خارج استراتيجيا التشويش التي اعتادتها البرامج التلفزيونية، إذ لا يمنح المتكلم الوقت الكافي لشرح وجهة النظر، في ظل ضيق الوقت المخصص للكلام، ومضايقات الإعلامي الذي لا يسمح باكتمال الخطاب وهو ما لفت انتباه تشومسكي ونصح بعدم القبول باللقاء التلفزيوني لعدم الجدوى منه في إيضاح المطلوب.. يمكن القول إن شكل وأسلوب اللقاء تجاوزا معضلة تشومسكي ولاسيما أن سيد المقاومة كان يفتح نوافذ لاستكمال ما لم يستكمل من النقاش.. لقد حضرت سلطة الكلمة ولم يبق «في الكنانة شيء من حتّى».
كما أن الأمر الثاني يتعلق بالوعي الكامل بما كان في الإمكان أن يحدثه الكلام لو كان في حينه، فقد يكون جزءاً من العملية الإعلامية التي أطلقها نتنياهو..أما ما يتعلق بطمأنة جمهوره من الشائعات فقد أكد الأمين العام أهمية التبيّن والتحصّن من الشائعات، بل أكثر من التّبين حين تصدر الشائعات من كاذب وحاقد.. وهذا يؤكد أيضاً أنّ المقاومة تدرك معنى الحرب النفسية وآثارها، كما تدرك أنّ واحدة من سياسات العدوّ هي محاولة التأثير وخلط الأوراق وتشويه رجالات المقاومة.
بشأن عملية «درع الشمال» قلب السيد نصر الله كل مزاعم العدو على رأسه، حين عدّها دعاية كاذبة حاول من خلالها أزنكوت أن يخرج بإنجاز قبل أن يغادر، كما أراد من خلالها نتنياهو الهروب من الملاحقة القضائية بسبب ملفات الفساد.. وعدّ أنها دعاية غبية ساهمت في خدمة المقاومة لأنها نشرت الهلع في صفوف مستوطنيهم، كما عدّها خطأ في التقدير العسكري إذا ما أريد لها أن تكون ضربة لـ«عملية الجليل» لأنّ هذه الأنفاق قديمة بعضها يتجاوز 14 سنة ما يسدد ضربة للاستخبارات الإسرائيلية.. وعليه أكد أن عملية الجليل المفترضة والمشروطة بأي عدوان إسرائيلي قادم لن تتوقف على بضعة أنفاق.. بهذا الرد كان السيد الأمين العام قد سدد ضربة سياسية وأمنية وزاد من هواجس العدوّ وأظهره في موقف أضعف من أي وقت مضى.
حديث السيد الأمين العام عن سورية جاء مفصلاً، وتناول حيثيات قلّما تحضر في التحليلات المتداولة.. سورية كانت بمعية حلفائها قادرة على أن تحسم في تلك الجيوب التي ظلت خاضعة للمجموعات الإرهابية نتيجة التدخل الغربي.. لكن اليوم- وفي ضوء الانسحاب الأمريكي- تغيرت الحسابات والقراءات، وتغيرت أولويات خصوم سورية، إذ بدأ الالتفات إلى الخطر التركي، فالذهاب إلى دمشق هو نتيجة هذا التغيير فالتوسع التركي يعني توسع المحور التركي– القطري، وأيضاً مطية للإخوان المسلمين.. أشار السيد نصر الله إلى التعقيد الذي تعرفه الأزمة التركية- الكردية وهو ما جعل أردوغان فور عودته من روسيا يتحدث عن «اتفاقية أضنة»… مجرد أن تصبح «اتفاقية أضنة» مرجعية في النقاش فهذا تقدم مهم.. الجانب التركي مُحرَج سواء فيما يتعلق بشرق الفرات أو حتى إدلب حيث «النصرة» مدرجة جماعة إرهابية في مجلس الأمن والدول الحليفة، فلا يمكن أن تكون جزءاً من الحل السياسي.. أما عن عودة سورية للجامعة العربية، فإن السيد الأمين العام يقول إن سورية ستعود، ومن مصلحتها أن تعود إلى العالم العربي، لكن ستعود بكرامتها، وذلك استناداً لموقف الرئيس بشار الأسد بأن سورية لم تخرج من الجامعة العربية فعلى الجامعة أن تقدم طلباً لعودة سورية.
كما أكد السيد الأمين العام انهيار مشروع «صفقة القرن» لأسباب منها عدم استعداد أي فصيل فلسطيني للقبول بها مهما كانت الخلافات بين تلك الفصائل.. وعن اليمن والبحرين والعراق تكلم بما يعني أن كل مشاريع الإخضاع فشلت ولابد من الذهاب إلى حلّ سياسي.
تحضر قيم الفرسان في فعل الكلام.. في معركة مفتوحة يقودها الرجال، ولا وزن لكلّ قول يقع خارج مسؤولية إنجاز الكرامة.. ولا يخطئ الواقع وحساباته.. تنتصر المقاومة على كل هذا الزيف المنتشر كالجراد في مساحات عقل عربي ينزف بالهزيمة والاضمحلال وهو يحسب أنه ينجو ويحقق مكتسبات في عالم ليست الحرية فيه ولا الكرامة مُعطاة بل حقوق تنتزع.. فالذي يسمح للاحتلال بأن يربت على كتفه ويراهن على صمود هيكل الهزيمة أمام عواصف تغيير قواعد الاشتباك هو واهم.. إن المقاومة في الميدان هي من يصنع الفكر الحرّ.. فالمهزومون والمنبطحون لا يصنعون مقولات الحرّية.. والانتصارات -كما قلنا- و-كما يفهمها المقاومون فقط- هي اختيار وليست قدراً (انظر كتابنا روح المقاومة وفلسفة الزمن).. فالعبيد لا خيار لهم.. وقدر العبيد الهزيمة حتى وإن غلبوا.. ترسم المقاومة اليوم مقولاتها وتحطّم كل مقولات الخصاء السياسوي والثقافوي وقيم الضعفاء التي يقف على رأسها عدم الوفاء.. كبرى مقولات العبيد تتحطّم تحت أقدام المقاومة.. إن زمن الانتصارات هو زمن وضع اليد على تسافل الخطاب الهزائمي وانفضاح تفاهته.
لقد خلقت خطابات سيد المقاومة أزمة في نظام الخطاب الإسرائيلي.. لم تعد هناك انتظارات من أي خطاب إسرائيلي سواء داخل «إسرائيل» أو خارجها.. لقد باتت انتظاراتهم نفسها تتحدد بـ«خرجات» الأمين العام للمقاومة، وهو أمر يجب الانتباه إليه، وهو أنّ المقاومة حققت انتصاراً حاسماً في الحقل الدّلالي والرمزي ولم تُبق لعدوها سوى ملأ فراغات الصمت برطانة سياسية سرعان ما تكشف «خرجات» السيد عن هشاشتها.. هل كانوا في حاجة إلى تعريض أنفسهم لهذه الوضعية المأسوية؟.. إنّه كيان فقد القدرة على إنجاز شيء بفعل الكلام، وهو الشيء الذي لم تحسنه خطابات معظم العرب، لأنها لم تمسك بالأسرار التداولية للكلام. لقد بات كل شيء في المقاومة يشكل عنصر إحباط للعدو بدءاً من الكلام، وهذا طبيعي.. ففي البدء كانت الكلمة.

*كاتب من المغرب

print