في 25 حزيران 1950 قرر كيم إيل سونغ زعيم كوريا الديمقراطية توحيد شبه الجزيرة الكورية التي انشطرت إلى جزءين من دون رغبة أهلها، فتقدّم بالجيش الشعبي وسيطر ببساطة على 95% من أراضي كوريا الجنوبية خلال أسابيع معدودة، فلم تكن هناك قوى شعبية جنوبية مستعدة للحرب ضد الوحدة، ناهيك بأن الجنوب كان يشهد حرباً داخلية بدوره واقتتالاً بين عدد من الأطراف.
على الفور ردّت الولايات المتحدة الأمريكية برفض الوحدة الكورية التي تمت على يد الشماليين وعدّتها «انتهاكاً للقوانين والمعاهدات» وحشدت ضدهم، وبدأت بشن حرب تدميرية قاسية، خلّفت بعد 3 سنوات (1950- 1953) حوالي 2.5 مليون ضحية بين قتيل وجريح، وأسقطت فيها الطائرات الأمريكية متفجرات فاقت ما تم إسقاطه على اليابان في الحرب العالمية الثانية!، حيث تم ضرب البلاد بأكثر من 18 ألف طن من النابالم أي بمعدّل يقارب كيلوغراماً لكل مواطن كوري!.. كما حصلت مجازر بشعة جداً ضد الكوريين الجنوبيين الوحدويين، منها مجزرة رابطة بودو، التي ارتكبها سنجمان ري، ومات فيها عشرات أو ربما مئات الألوف.
كانت تركيا، تحت قيادة رئيس الوزراء عدنان مندريس، الذي بدأ حكمه في 22 أيار 1950، من ضمن الدول التي استجابت للدعوة الأمريكية لشن حرب ضد توحيد كوريا، وقد جاءت الدعوة عبر الأمم المتحدة.
تركيا في هذا الوقت كانت تجمعها علاقات متطورة مع الكيان الصهيوني، وتطمح إلى عضوية حلف الـ«ناتو» (حصلت عليها في شباط 1952) وكانت تُجهّز نفسها للعب دور القاعدة الغربية المتقدمة ضد السوفييت خلال الحرب الباردة، ثم ضد عبد الناصر ومشروعه القومي لاحقاً، ولا يُنسى أن قاعدة «إنجرليك» الأمريكية قد تأسست في عهد مندريس، كذلك كان مندريس عموداً رئيساً في حلف بغداد الاستعماري، وهو الذي هدّد سورية في 1957، ثم تآمر على الوحدة المصرية- السورية، وكان عوناً أيضاً لحليف الاستعمار: كميل شمعون في لبنان.
في 25 تموز 1950 قررت تركيا، بالفعل، إرسال لواء قوامه 5000 جندي يتألف من ثلاث كتائب مشاة وكتيبة مدفعية ووحدات مساعدة، للقتال بالتحالف مع واشنطن، وتحت قيادة اسمية من الأمم المتحدة، ضد الكوريين الديمقراطيين الذين أرادوا توحيد بلادهم، ثم بعد ذلك ضد جمهورية الصين الشعبية التي دعمتهم أمام الغزو الأمريكي (في العموم خدم ما مجموعه 14.936 جندياً في اللواء التركي على مدار الحرب).
اللافت هنا ليس أن تركيا أرسلت قواتها فقط، بل أنها أيضاً كانت ثاني دولة تستجيب لدعوة الأمم المتحدة آنذاك، بعد الولايات المتحدة المحرّض الأصلي.
بلغت الخسائر الإجمالية للواء التركي في كوريا 721 قتيلاً أثناء العمليات (دفن كثير منهم في كوريا الجنوبية ولهم نصب هناك) و1111 إصابة و 168 مفقوداً، ومن بين الخسائر طيار تركي، كان يقود طائرة أمريكية من طراز «بي -26 » ويقصف خطوط السكك الحديدية، فأسقطه الكوريون الوحدويون، وقد حظي العسكريون الأتراك بثناء الجنرال الأمريكي دوغلاس ماك آرثر.
يعد عدنان مندريس أول الخيط الذي ينتهي عند رجب أردوغان اليوم، مروراً بـ «تورغوت أوزال» في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وهو لا يقل تحالفاً مع الغرب ومشروعاته في أفغانستان ويوغوسلافيا والعراق، وهو مهندس سياسة الخصخصة التركية، والاعتماد على الاستثمار الأجنبي.
كاتب من مصر

print