إن التعبير بوساطة الأسطورة هو أسلوب للتفلسف من بين أساليب أخرى يعمد إليها الفيلسوف لأسباب بيداغوجية حيث يستثمر من خلالها ما هو معروف ومتداول لدى المتلقي لخلق التواصل معه حين يقدم له الأفكار المجردة عن طريق السرد والحكي والتخييل كما أنه أسلوب يتم اللجوء إليه كوسيلة لبناء الأفكار الفلسفية وبلورتها.

لكن الفلسفة الحديثة عبّرت عن رفضها لهذا الأسلوب حيث نظرت إلى الأسطورة على أنها شكل تعبيري ما قبل فلسفي، فهيجل مثلاً ورغم اعترافه بدور الأسطورة في التفلسف رأى أنها زينة لا فائدة منها في تطور العلم ووصفها بأنها تخفي جوهر الفكر حيث إن استخدامها من طرف الفيلسوف غالباً ما يكون كثوب أو رداء تتخفى تحته الفكرة لذلك فهي وسيلة لا تطابق الفكر الذي من طبيعته الانكشاف والظهور..

وهكذا تم إقصاء الأسطورة من حقل الفلسفة ومن مجال الأساليب التي يمكن أن تشتغل بها لحساب المفهوم المجرد فلا وجود لفلسفة دون مفاهيم والنشاط الفلسفي نشاط مفاهيمي بالدرجة الأولى، لكن الصياغة المفهومية سواء تمت بوساطة مصطلحات قديمة أو بتوليد مفاهيم جديدة لا تتم إلا من خلال الاشتغال في اللغة وبواسطتها وباستعمال أشكال تعبيرية تتضمنها اللغة الطبيعية فلا وجود للغة فلسفية خالصة ولا لفكر سابق على اللغة وإنما هناك استخدام فلسفي للغة يتمثل في بناء المفاهيم انطلاقاً من ألفاظ اللغة الطبيعية لذا فالفيلسوف يخضع لإلزامات يفرضها استعمال اللغة الطبيعية داخل فعل التواصل وإن تحويله لهذه الإلزامات أو تحرره منها أو تحليله لها من وجهة نظر فلسفية لا يعفيه أبداً من الاعتماد عليها كلما أراد البرهنة أو الإقناع أو التفسير وبالتالي إذا كانت الفلسفة قد أقصت الأسطورة كأسلوب للتعبير والتفلسف فإنها لم تستطع إقصاء أساليب تخييلية وحسية كالاستعارة لاندراجها في نظام اللغة نفسها.

طباعة

عدد القراءات: 3