من المعروف أن أفلاطون اهتم بموضوع المعرفة كثيراً عبر محاورات عديدة فبيّن أنواعها المختلفة ورتبها درجات حسب قيمتها في الكشف عن الحقيقة واهتم اهتماماً بالغاً بتعريف العلم الفلسفي اليقيني وبالتمييز بينه وبين أنواع المعرفة الأخرى الشائعة عند معاصريه على أن نقطة البداية في نظرية المعرفة الأفلاطونية تتلخص في إثارة الشك في العالم الحسي وإقامة تصنيف لأنواع المعرفة في العلوم المختلفة على أساس التفرقة الميتافيزيقية بين العالم الحسي والعالم المعقول.

حيث عمل على تسمية المعرفة التي تتناول العالم الحسي المرئي بالظن أما المعرفة التي تتناول المعقول بالعلم أو بالتعقل وأما أنواع المعرفة حسب تقسيمه فهي المعرفة الحسية التي هي عبارة عن إدراك صور المحسوسات وتعتبر أدنى مراتب المعرفة وأولها، والمعرفة الظنية التي هي الحكم على المحسوسات من خلال مقارنتها بعضها ببعض واستنباط قواسم مشتركة بينها وهي إما صادقة وإما كاذبة، والمعرفة الاستدلالية التي هي ما يحصل عليها العقل بوساطة الجدل والفرضيات وتكون مقدمة للوصول إلى اليقين إذا ما استندت إلى فرضيات صادقة، والمعرفة اليقينية التي هي أرقى مراتب المعرفة وأقصاها لأنها إدراك للمثل وتعقل لمعرفة الحقيقة المطلقة..

وبالطبع يتبين من تشخيص أفلاطون لمراتب المعرفة ومدلولات كل مرتبة أن هناك تحديداً دقيقاً لمستوى المعرفة حيث أشار إلى أن المعرفة الحسية هي أدنى مراتب المعرفة كونها لا تعطي دلالات كافية للوصول إلى المعرفة ومن ثم تطرق إلى المعرفة الظنية وهي شكل من أشكال الفروض البحثية وما يتوجب دراسته ومقارنته ومن ثم استنباط أسسه المشتركة للتحقق من صدقه وعدم صدقه، وأعطى أهمية للمرتبة الثالثة للمعرفة كونها تستدل من خلال مناقشة نتائج الصدق من عدم الصدق المعرفي باستخدام سبل الجدل والاحتكام إلى العقل للوصول إلى النتيجة النهائية، ومن ثم الاحتكام للنتيجة النهائية في المرتبة الرابعة من المعرفة كونها الأرقى من حيث الرتبة لأنها تصادق على النتيجة الأكثر صدقاً للوصول إلى الحقيقة المطلقة، وما عبّر عنه أفلاطون بالحقيقة المطلقة ليس سهل المنال من حيث إنه كلما توسعت سبل المعرفة كلما تكشفت أكثر الأوجه المتعددة للحقيقة وأدى ذلك إلى صعوبة أكثر في إصدار أحكام الإطلاق المجردة.

طباعة

عدد القراءات: 9