آخر تحديث: 2020-04-09 00:48:06
شريط الأخبار

أمريكا أولاً

التصنيفات: بين السطور,زوايا وأعمدة

بعد مرور عامين ونصف العام على تصويت بريطانيا لمغادرة الاتحاد الأوروبي، نجد أن «بريكست» هو حالة من الفوضى، ولا تستطيع رئيسة الوزراء تيريزا ماي، التي عارضت يوماً ما هذه السياسة، أن تقنع البلاد باتفاقية المغادرة التي تفاوضت بشأنها مع الاتحاد الأوروبي، وبالكاد نجت من التصويت بحجب الثقة في حزبها منذ فترة قصيرة، بل إن القليلين في بريطانيا يعتقدون أن في إمكانها إنجاح «بريكست».
وبشكل مباغت، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ستتخلى عن رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي الذي تترأسه منذ ثمانية عشر عاماً، لكنها ستكمل مدة ولايتها في منصب المستشارية التي تنتهي عام 2021 قبل أن تنسحب كلياً من عالم السياسة.
قد يعدُّ هذا تعبيراً آخر عن الانهيار السياسي الذي يجتاح الغرب، يُضاف إلى تعبيرات أخرى، كالمنافسات التي يكسب فيها المتطرفون وقوى التشدد اليميني مساحات متزايدة، وارتداد قطاعات شعبية على جانبي الأطلسي إلى الأفكار الشوفينية الشعبوية ضيقة الأفق.
يبدو النظام العالمي في تغيير مستمر، وغير خاضع لرغبات واشنطن التي حرصت على أن يكون اقتصادي النزعة، خاضعاً لحاجاتها الاقتصادية، ومتحكمة فيه سياسياً، وعلى أساس ذلك تم ضرب النسيج القومي للإمبراطوريات التقليدية، وتفكيكه، وكانت أوروبا الغربية، وفي مقدمتها بريطانيا هي المعنية بمثل تلك الخطوات في الدرجة الأولى، وبدت ملامحها تظهر منذ «مشروع مارشال» الذي اشترطت الولايات المتحدة تطبيقه لدخول الحرب العالمية الثانية مع الحلفاء، وتضمن اعتماد الدولار عملة عالمية ونقل الذهب إلى أمريكا وإنشاء حلف شمال الأطلسي تحت قيادة أمريكية، إضافة إلى إعادة إعمار أوروبا المنهكة اقتصادياً، والمدمّرة بنيتها التحتية، وجعلها سوقاً للمنتجات الأمريكية، ومنذ موافقة أوروبا على ذلك كان هذا التاريخ إعلاناً عن خروج أوروبا نهائياً من دائرة السيادة والسيطرة العالمية، التي امتدت أكثر من نصف قرن تقريباً.
بل ذهبت واشنطن إلى أبعد من ذلك، إذ ربطت كلاً من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية بعمق استراتيجيتها لخلق فرص استثمارية للشركات الأمريكية في أكثر من دولة حول العالم، «وصار هذا الثالوث العنكبوتي» يرسم حركة العلاقات الاقتصادية منذ عقود، ولاسيما مع موجة العولمة وتحرير السوق، حيث أمست هذه المؤسسات الاقتصادية والمالية الثلاث الموما إليها بمنزلة المقومات الخارجية لدعم الاقتصاد الأمريكي، وهو المشروع الذي سعت واشنطن لتحقيقه منذ مؤتمر «بريتون وودز» عام 1944 الذي وضعت من خلاله أسس النظام الاقتصادي الدولي، والهدف هو خدمة الاقتصاد الأمريكي على حساب الأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء، وضمن هذا السياق فرضت واشنطن السوق المعولم لتبقى تحتل المركز، وساعدها في كل ذلك الدولار، العملة المتداولة عالمياً وهو يطبع من دون مقابل على عكس العملات الأخرى.

طباعة

التصنيفات: بين السطور,زوايا وأعمدة

Comments are closed