أبو محمد البالغ من العمر 65 عاماً يملك 600 دونم في ريف حماة، كان يزرعها بالقمح والشوندر السكري قبل الأحداث، إلى جانب بعض المواشي التي تعد مورد رزقه الوحيد، عندما هاجمت المجموعات المسلحة قريته نزح إلى ضواحي مدينة دمشق، واستأجر منزلاً وافتتح ملحمة لبيع الغنم البلدي ليعتاش منها، اللافت أنه لايفكر اليوم في العودة للزراعة بعد عودة الأمان إلى منطقته، فالعمل في الأرض (مو جايب همه) على حسب تعبيره، والملحمة تدر دخلاً وبركة تفوق الموسم ولاسيما في أشهر المناسبات والأعياد.. أبو محمد ليس الوحيد الذي لايفكر في العودة، فجاره بائع الأجبان والألبان القادم من دير الزور يفكر بالطريقة نفسها.
يقول: المدينة باب رزق واسع والحياة فيها مريحة، صحيح أننا خرجنا بظروف قاسية ولكن بعد أن تركزت أمورنا المادية وتجارتنا، اختلف الوضع، شارحاً الظروف السيئة والضغوطات التي يعيشها الفلاح، فهو ينتظر عاماً كاملاً ليقبض ثمن المحصول، قابعاً تحت رحمة الظروف المناخية من جهة، ومدى توافر المستلزمات الزراعية من بذار ومياه السقاية والأسمدة من جهة أخرى، وهنا يرتفع صوت زوجته التي تساعده في (السوبر ماركت) مقاطعة: قلت لزوجي إنني لن أعود إلى حياة «التعتير» والعمل في الأرض وخدمة الأسرة الكبيرة، وتربية الأولاد، أنا لم أعرف للحياة معنى حتى نزحنا إلى المدينة، لقد رأينا أشياء لم نكن نعرفها في حياتنا.
يبدو أن الأمر لا يتوقف عند «أبو محمد» وجاره، فنسبة لا يستهان بها من العائلات الريفية من كل المحافظات هجرت قراها خلال الأحداث مرغمة، لكنها وجدت الأمن وسهولة الحياة في المدينة، ليبقى السؤال، في الوقت الذي تشكل فيه الزراعة رافداً اقتصادياً وسبيلاً لتحقيق أمننا الغذائي، هل ستبقى هذه المساحات الشاسعة من الأراضي مهجورة؟ ما المطلوب لعودة هذه العائلات لمواقع الإنتاج؟

بتأمين المستلزمات يتحقق الشعار
بدوره رئيس الاتحاد العام للفلاحين- أحمد صالح إبراهيم أوضح أن النسبة الأكبر من الفلاحين عادوا إلى أراضيهم، وأن عدد الأسر التي عادت إلى قراها بعد أن تم تحريرها على يد الجيش العربي السوري /315/ ألف أسرة، مبيناً أن الاتحاد بصدد تفعيل الجمعيات التعاونية كاملة وخاصة التي خرجت من الخدمة خلال سنوات الحرب كالجمعية الفلاحية في غوطة دمشق والقنيطرة ودرعا وأنه تم تشكيل مجالس إدارية مؤقتة لهذه الجمعيات بهدف خدمة الفلاحين.
وأشار إلى أن الحكومة رفعت هذا العام شعار (زراعة كل شبر من أراضينا) وأن الاتحاد شريك في وضع الخطط الزراعية على مستوى القطر ومعني بتطبيق هذا الشعار، داعياً الحكومة لتأمين مستلزمات الزراعة وخاصة البذار لكونها مضمونة وتؤمن سلالات ممتازة من البذار والقمح والشوندر السكري والقطن وحتى لا يلجأ الفلاح لتأمينها تهريباً وما يتبع ذلك من مخاطر تضر بالمحاصيل، كما حدث سابقاً في بعض المحاصيل.
ولخص رئيس الاتحاد أهم الصعوبات التي تواجه العملية الزراعية المتمثلة في عدم توافر الأسمدة بكل أنواعها وبالكميات المطلوبة،إضافة لارتفاع أسعارها وعدم توافر المحروقات للزراعة وبالكميات المطلوبة.كذلك عدم توافر البذار للقمح والشعير خاصة ومشكلات سوء نوعية بذار القطن، مشيراً إلى قلة المبيدات الزراعية وعدم فاعليتها وانتشار الإصابات المرضية على المحاصيل، إضافة لتخريب وسائل الري الحديث وشبكات الري الحكومي ما أثر سلباً في الزراعة، عدم انتظام التيار الكهربائي في الأراضي الزراعية.
بالأرقام
حسب إحصاءات وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي قبل الحرب فإن أكثر من ثلث مساحة سورية كانت صالحة للزراعة، أي ما يقارب 6.5 ملايين هكتار تزرع بالمحاصيل الزراعية على أنواعها، من الحبوب والقطن، إضافة إلى الخضر، ومختلف أنواع الفاكهة، وصولاً إلى الزيتون والفستق الحلبي… إلخ، ويشتغل في الزراعة أكثر من 20 في المئة من السوريين وتصل مساحة الأراضي التي خرجت من الزراعة خلال سنوات الأزمة إلى /429/ ألف هكتار.
تراجعت مساحات القمح والشعير عما قبل الأزمة بنسبة تصل إلى 30% إذ كانت مساحة القمح في 2010 بحدود / 1.599/ مليون هكتار ووصلت في 2016 إلى / 1.178/ مليون هكتار، وكذلك الإنتاج تراجع من /3.5/ ملايين طن عام 2011 إلى /1.2/ مليون طن عام 2018، وكذلك الشعير تراجعت مساحته من /1.526/ مليون هكتار عام 2010 إلى /1.120/ مليون هكتار عام 2016.
إلى جانب ذلك، هناك تراجع كبير في المساحات وأعداد الأشجار المثمرة والحراجية في المناطق التي طالتها يد الإرهاب، ففي ريف دمشق هناك ما يزيد على 1.5 مليون شجرة مثمرة تم اقتلاعها بهدف التخريب والاحتطاب وغير ذلك، كذلك أعداد الثروة الحيوانية التي تراجعت ايضاً بنسب كبيرة.
وتبين أرقام الوزارة أن التراجع الأكبر كان في مساحات وإنتاج المحاصيل الصيفية والاستراتيجية لأنها تعتمد على الري والخدمات والمدخلات الزراعية بشكل أوسع، وهذا ما حالت دونه يد الإرهاب فقد تراجعت مساحات القطن والشوندر السكري بنسبة تفوق الـ /90%/ عما قبل الأزمة كذلك الذرة الصفراء تراجعت بنسبة /70%/.
خلل في التوازن
التنموي سابقاً
التقلص في مساحات الأراضي الزراعية، وإهمال المشاريع التنموية في الأرياف ليسا وليدي سنوات الحرب فقط، فهناك سياسات اقتصادية خاطئة من قبل الأزمة خلقت هذه الإشكالية.
إذ ترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب أن هجرة أبناء الأرياف الفقيرة والمحافظات إلى المدن الرئيسة خلال سنوات ما قبل الأزمة ساهمت في خلل التوازن التنموي بين الأقاليم والمحافظات السورية أو ما يسمى الإخفاق في التنمية الإقليمية، إذ وجد نوع من التمييز الاقتصادي والاجتماعي لمصلحة محافظات ومناطق بذاتها على حساب محافظات ومناطق أخرى عانت من التهميش الاقتصادي والاجتماعي ما شكل عامل طرد للسكان، واضطر أبناء هذه المناطق للهجرة إلى المناطق الجاذبة سواء بحثاً عن فرص عمل أو تعليم جيد أو حتى الخدمات الاجتماعية العامة الأفضل.
وأشارت إلى أن راسمي السياسات وصناع القرار أهملوا التخطيط الإقليمي والمكاني وركزوا على التخطيط المركزي، ما عزز وجود تركز شديد في المشروعات لمصلحة ثلاث محافظات (حلب ودمشق وريف دمشق) ترافق مع انسحاب الحكومة من المجال الزراعي والاقتصادي والاجتماعي وتركه لمصلحة قطاع الأعمال من دون توجيه أو إشراف.
وبينت أن هجرة أبناء الريف إلى المدن قبل الازمة خلقت مشكلات تمثلت في انحسار وتقليص الأراضي الزراعية وتفريغ المناطق الطاردة من كفاءاتها العلمية والمهنية وخاصة بين أجيال الشباب وعدم الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، مع اكتظاظ سكاني في المناطق الجاذبة التي لم تكن مهيأة لاستقبال هذه الأعداد، ما أدى إلى زيادة انتشار الأحزمة العشوائية السكنية اللارسمية وكثافة سكانية مرتفعة أدت إلى انخفاض نوعية الخدمات العامة وعدم توافرها بالشكل اللائق وحدوث اختناقات وازدحام مروري، وزيادة التلوث البيئي.
على المقلب الآخر، أوضحت الدكتورة سيروب أن إهمال الأرياف زاد ظاهرة التشتت الأسري وانتشار الفقر والتخلف والجهل فيها.
ذهنية لم تتغير لاحقاً
وأوضحت الدكتورة سيروب أنه بعد استعادة سورية أكثر من 90% من الأراضي، فإن ذهنية العمل الحكومي ما زالت ذاتها، وهذا ما نلحظه من خلال إطلاق مشروعات كبرى لا تخدم أولويات عملية التنمية من ناحية وما زالت تتركز جميعها في العاصمة دمشق وريفها من ناحية أخرى مهملين المناطق السورية المختلفة من مدن وأرياف (كما كانت الحال قبل الحرب)، لذا لابد أولاً من تلافي سلبيات اقتصاد ما قبل عام 2011 وتقليص أهمية دمشق الكبرى لمصلحة بقية الأقاليم والمحافظات المختلفة عبر سياسات لامركزية وتنمية أقطاب حضرية في بقية الأقاليم السورية لجعلها تنافسية، والتأسيس لاقتصاد قائم على سياسات مصممة لتعزيز تراتبية حضرية أكثر توازناً تستند إلى الميزة النسبية وطاقات وموارد المحافظات والأقاليم المختلفة، أي ضرورة العمل على التخطيط الإقليمي وتحقيق التنمية الإقليمية أولاً، من حيث تنمية المناطق الأقل نمواً ومعالجة مشكلات المناطق الميتروبولية (الأعلى نمواً)، ما يؤدي إلى إيجاد ظروف معيشية متكافئة بين المناطق الريفية والمدينة، وتحقيق الإنعاش الاجتماعي وتحسين الواقع المعيشي والخدمي في المناطق المختلفة،
وأكدت أن الإنماء يخلق الانتماء ما يقلص من حالات الهجرة الداخلية (وأيضاً الخارجية) وخلاف ذلك يعني تعميق الشرخ الاجتماعي وزيادة انعدام التجانس في المجتمع.
تفعيل قانون التخطيط الإقليمي
واقترحت د. سيروب إعادة توزيع الاستثمارات وترتيب الأولويات بين المناطق والأقاليم المختلفة، وإدارة استغلال الثروات (البشرية والطبيعية) وخلق الميزات التنافسية وتحويلها إلى ميزات نسبية بين المناطق، ويتطلب ذلك مزيداً من إنشاء وتطوير البنية التحتية من أجل تحقيق التكامل والترابط بين الأقاليم.
ولفتت إلى ضرورة وضع خريطة استثمارية تنموية شاملة، تشتق منها خريطة استثمارية تنموية لكل إقليم، ما يستلزم إعطاء صلاحيات أوسع للإدارة المحلية وتخصيص موازنات مالية أكبر، فالوحدات الإدارية هي الأقدر على معرفة المشكلات وطرح الحلول ووضع الخطط التنموية المحلية، من دون إغفال تحديد أقطاب النمو (سواء المدن أو المشروعات) في كل إقليم وما ينجم عنها من إقامة مدن صناعية ومدن سياحية وزراعية وتجمعات سكنية جديدة وفقاً للميزات النسبية لكل إقليم ولكل منطقة.
وأشارت إلى القانون 26 لعام 2010 المعني بالتخطيط الإقليمي وبموجبه تم إحداث هيئة التخطيط الإقليمي والمجلس الأعلى للتخطيط الإقليمي، وفي العام 2015 تم إحداث المعهد العالي للتخطيط الإقليمي والتابع لجامعة دمشق من أجل تهيئة الكوادر ذات الخبرة والدراية بالتخطيط الإقليمي، وتم وضع الإطار الوطني للتخطيط الإقليمي وفيه تم تقسيم سورية إلى سبعة أقاليم، أي أن البنى المؤسساتية أضحت جاهزة والمطلوب التنفيذ فقط وهذا يستدعي تفعيل قانون التخطيط الإقليمي وإعطاء صلاحيات أوسع للمحليات والحد من تناقص المهام والصلاحيات بينها وبين هيئة تخطيط الدولة ووزارة الأشغال.
خلال الأزمة
بدوره جلال الحمود- خبير في الشؤون الزراعية تحدث عن الصعوبات التي تعرض لها القطاع الزراعي خلال الحرب من تدمير وتخريب أقنية وشبكات ومضخات مياه الري، وتدمير البنى التحتية ومراكز الخدمات والمنشآت الاقتصادية (مراكز إكثار البذار، مراكز البحوث العلمية الزراعية، مخازن ومستودعات الأعلاف والأسمدة والحبوب، مؤسسات الدواجن والمباقر وغيرها)،
وأشار إلى قطع الطرق الرئيسة من قبل الإرهابيين ومحاصرتهم المناطق وقطع طرق الإمداد والترهيب والبطش بالفلاحين والمزارعين في المناطق الساخنة والخاضعة لسيطرتهم، حتى باتت قدرة الفلاحين على الوصول لأراضيهم وزراعتها والقيام بنشاطاتهم الزراعية محدودة، كل ذلك أثر في المساحات المزروعة وأدى إلى تقلصها خلال سنوات الأزمة وكذلك تراجع كميات الإنتاج والإنتاجية.
ولفت الحمود إلى أن المساحات المزروعة تراجعت بدرجات متفاوتة تبعاً لوجودها في المناطق الساخنة أو التي سيطر عليها الإرهابيون خلال السنوات الفائتة وتبعاً لنوع الضرر والتدمير الذي ألحقه الإرهاب بالقطاع الزراعي، مبيناً أن العقوبات الاقتصادية من جانب الدول الداعمة للإرهاب على سورية كان لها أيضاً أثر كبير في توافر مستلزمات الإنتاج الزراعي والمساحات المزروعة.
مغريات العودة
وأوضح محمود أن دعم القطاع الزراعي يجب أن يكون ضمن برنامج متكامل يركز على البحث عن المحفزات التي تشجع الفلاحين على العودة إلى قراهم وأراضيهم الزراعية للعمل فيها والعودة للعملية الإنتاجية، ولتحقيق ذلك لابد من العمل على تأمين المدخلات الزراعية (الأسمدة والبذار والمحروقات والمبيدات وغيرها) من مصادر موثوقة وبأسعار ملائمة، كذلك تأمين التمويل اللازم للمزارعين من خلال الإقراض وبتسهيلات مشجعة لهم، واعتماد سياسة تسويقية ملائمة تضمن تصريف الإنتاج الزراعي بشكل متوازن ومستقر وبأسعار تضمن حق الفلاح أو المزارع المنتج، والإسراع في إيجاد نظام التأمين الزراعي، والإسراع في إصلاح وترميم البنى التحتية وأقنية الري ومراكز الخدمات في الأرياف، مع الإشارة إلى أهمية أن يترافق ذلك مع تطوير وتحسين الخدمات والقطاعات الأخرى (الصناعات الغذائية، الصحة، التعليم، الكهرباء، مراكز الخدمات العامة وغيرها) ما يساعد على خلق بيئة مشجعة لهم على الاستقرار في قراهم، ومواقع الإنتاج.
الأولوية للقطن والذرة
وفيما يتعلق بالدور الحكومي قال محمود: الحكومة تقوم بما عليها في هذا المجال، لكن حجم العمل المطلوب والتمويل اللازم ضخم جداً وهناك ضرورة ملحة لتآزر الجهود من قبل جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات والجمعيات المحلية لإعادة الإعمار.
وشدّد على أهمية تقديم الدعم المطلوب لإعادة زراعة القطن إلى وضعها السابق لأهميتها من حيث إنه محصول اجتماعي يستوعب أكبر عدد ممكن من القوى العاملة وللميزة النسبية التي يحظى بها القطن السوري، كذلك الدعم والتوسع في محصول الذرة الصفراء لأهميته الاقتصادية واستعمالاته المتعددة وملاءمته لأراضينا، إضافة إلى الاهتمام بزراعة النباتات الطبية والعطرية شرط تأمين منفذ تسويق خارجي لها.
الوجه الزراعي
أمام الحكومة استحقاق كبير لإعادة رسم الأولويات على نحو يمنح الأرياف قسطاً لا يستهان به من المشاريع التنموية وتحسين الخدمات، لأن جزءاً كبيراً من مشكلات الغلاء المعيشي يمكن حله فعلاً بتحقيق الشعار الذي رفعته الحكومة لهذا العام (زراعة كل شبر من أراضينا) ولكن على الحكومة أيضاً أن تدرك أن هذا الشعار لا يمكن تحقيقه في ضوء نقص كبير في مستلزمات الزراعة، آملين أن يعود لسورية الوجه الزراعي الجميل الذي يحمل الخير والبركة.

print