آخر تحديث: 2020-04-08 15:35:26
شريط الأخبار

لايزال يلوّن على مقامات الحب والحرب أنور الرحبي: أحبُّ مُداعبة الأسود .. وأرتبك أمام الأخضر والأحمر

التصنيفات: ثقافة وفن

يبدو تلمّس بداية الغواية اللونية عند الفنان التشكيلي أنور الرحبي من الصعوبة بمكان نظراً لكثرة البواعث الأولى لتكوّن هذه التجربة التشكيلية الاستثنائية في المشهد التشكيلي السوري.. هذا الفنان الذي يقفُ اليوم على قمة تجربة تشكيلية تأبى السكون، فهي بعد كل تخويضٍ تشكيلي تنعطفُ قليلاً أو كثيراً، لكنها لا تقفُ أبداً إلا عند سحرٍ لوني أو تكوين جمالي ما.. وإنما أشبه باستراحةِ مزخرفٍ، وقف قليلاً ليستكشف المساحة أو المسافة التي تخوله لأن يُضيف في متوالية الزخرفة التي تبدو لانهائية.. ومناسبة هذا التمهيد عن الفنان التشكيلي أنور الرحبي؛ هي الندوة التكريمية التي أقيمت له مؤخراً في المركز الثقافي كفر سوسة- دمشق، شارك فيها كل من النقاد: علي القيّم، سعد القاسم، وأديب مخزوم، وأدارتّها الإعلامية إلهام سلطان، والأخيرة أعدّت فيلماً عن تجربة الفنان الرحبي تمّ عرضه في هذه المناسبة.
من «الموتيفات»
برغم ذلك؛ فإنّ الكثير من النقاد– سعد القاسم وأديب مخزوم– يرون أن بداية الغواية اللونية عند الفنان الرحبي؛ كانت عندما كان هذا الفنان يُرفق «موتيفاته»– الرسوم التوضيحية أو الجمالية، وحتى المُعادلة للنص الصحفي والمُقاربة له– مع المواد الصحفية في الدوريات والمجلات السورية منذ زمنٍ بعيد.. هذه «الموتيفات» التي يعد تشكيلها من أصعب الفنون التشكيلية برغم كل ما توحي به من بساطة، وهي الفن القائم على قوة الخط بالدرجة الأولى.. من هنا تبدو البساطة في تكوينها من حيث الظاهر فقط.. لأنها تختزلُ الفكرة، وحتى الأفكار الكامنة، في هذا الإبداع الخطي. والفنان الذي يمتلك قوة الخط في اللوحة، يعني ذلك أحد ملامح كفاءة الرسّام بما يشي ذلك من حيوية ورشاقة الخط وليونته..
حمولات متنوعة
الموتيفات المُفعمة بالأفكار والمتعة البصرية؛ ربما كانت أحد عوامل التكثيف وإغناء اللوحة عند الفنان التشكيلي أنور الرحبي.. لأن المُتابع لهذه الأعمال، لابدّ ستلفت انتباهه هذه الحمولات المتنوعة في لوحة الرحبي، حتى تكاد تُشكّل اللوحة بمفردها معرضاً كاملاً سواء لجهة التنويع اللوني والتكوين في اللوحة، أو لجهة «فكرنة» اللوحة، أي بما تحمله من أفكار ومضامين مثيولوجية تذهب عميقاً في الأرض السورية العتيقة، وهو ما ساعد الفنان الرحبي على امتلاك الفراغ وقيادة بياض اللوحة إلى حيث تشتهي ألوانه وتكاوينه.. ولعلّ من أهم ملامح لوحة الرحبي هذا «العداء» مع الفراغ، والحميمية مع البياض وإفعامه وزحمه بشواغل اللوحة شكلاً ومضموناً، ومن هنا، نتفهم رؤية الناقد سعد القاسم عند وصفه لوحة الرحبي بأنها «ليست لوحة المصادفة» أو وليدتها.. لوحة على الأغلب يسعى الرحبي لتقسيمها إلى مربعات ومستطيلات، تجمعُ «الانفصال والاتصال» معاً.. بمعنى، يُمكن للمتلقي أن يأخذ كل مربع أو مستطيل ويقرأ مضمونه الجمالي بذاته ووحده كلوحة مستقلة ضمن اللوحة العامة وداخلها، كما يمكنه أن يقرأ ذلك الجزء قراءة شاملة مُتناغمة مع بقية أجزاء اللوحة وتكاوينها وحمولاتها المثيولوجية والفكرية والقيم الجمالية البصرية الأخرى.. لوحة عقلانية منسجمة برغم كل ما يوحي به مضمونها من تجاور «المتضادات» في عمارة اللوحة، أو في صياغتها اللونية، كتجاور اللون البارد مع الحار، ومع ذلك يبدو الانتقال بين مدى اللونين وفضاءاتهما مُنسجماً وأيّ انسجام، وهو ما وفر في اللوحة القدرة على خلق قلق لوني إبداعي وجميل..
مُكثفة بالعناصر
هذه اللوحة التي يراها الناقد أديب مخزوم؛ مُكثفة بالعناصر الزخرفية، أو على الأقل هذا ما توحي به، ميزتها أنها تبدو منقطعة، بمعنى لم تأتِ لوحة الرحبي استمراراً لتجارب سابقة، أو نتيجة تأثير تجارب ريادية، وهذه حالة نادرة في الحركة التشكيلية السورية التي تمتد في حالتها المُعاصرة اليوم حوالي مئة سنة تقريباً، وإنما هي تجربة مُتفردة تأخذ مساحتها اللائقة في المشهد التشكيلي السوري. ويرى مخزوم أنّ أحد أسباب قوتها يكمن في هذا التكثيف للعناصر ضمن أبعاد اللوحة الذي يأتي ليس اختزالاً، كما درجت عليه العادة، وإنما حوّل الذاكرة المعرفية الثّرة إلى رموزٍ تشكيلية تستدعي تأمل المتلقي وفرحه الجمالي ومقدماً شواغله البصرية من قيم جمالية فكرية ومتعة بصرية، وهو ما وضعها إضافة لتفردها في المشهد التشكيلي ومُفارقتها للتقليدية في المُحترف السوري.. لقد قدمت نفسها على أنها لوحة شرقية سوريّة في هويتها في عالمٍ يذهب بعيداً في التغريب؛ سواء على صعيد التقنية، وحتى على صعيد القيم البصرية، وهذا يأتي من ذاكرة غنية بالكثير من عمارة اللوحة الفنية، ذاكرة طفلية في الجزيرة السورية وفي أرياف محافظة دير الزور من مشاهد بصرية حارة في حميميتها، وغنية في تنوّع مشاهدها البصرية من نهرٍ عظيم – الفرات- وبادية تتلون على مدى الفصول، وتنويعات الضوء ونهر لايزال يمنح ضفتيه للشجر والزهر والحوائج.
بهوية سورية
وبرغم كل هذا التجذر في اللوحة الذي يُترجم رموزاً من حكايا وسوالف وأزياء وقصص غنية في سردها وحبكاتها.. برغم كل ذلك هي لوحة تنفر من التوثيقية والتسجيلية، وإنما تأخذ بدلاً من ذلك كل تلك العناصر الغنية إلى مختبر هذا الفنان الذي يُعيد تسخينها كخزاف يجعلُ من الطين خزفاً ملوناً، وبما يُشبه ما تُشير إليه الكاتبة الفرنسية جورج صاند: «الفن ليس تصويراً للواقع، بل هو بحث عن الحقيقة المثالية، وعلى الفن أن يُعيدنا إلى مسكن الوجود، لأنه– حسبما يرى هيدغر– هو راعي الوجود وحقيقته.. لأن جمالية الفن لا تنكشف سوى بتكثيفها، وهذا هو معنى الفعل والمهمة العليا والأساسية للإبداع، وهو ما سعى إليه الفنان الرحبي الذي تمتدُّ تجربته اليوم إلى أكثر من أربعين معرضاً تشكيلياً داخل سورية وخارجها، وربما إلى أكثر منها من السنين في عمر تجربة تشكيلية لاتزال تمدّ بمجساتها صوب الجماليات السورية لتؤكد هوية لا جدال في أصالتها برؤية إبداعية لها خصوصيتها وعلاماتها الفارقة..
مقامات الرحبي
ربما من هنا كان أن أطلق أنور الرحبي على انعطافات تجربته مصطلح «المقام» بما يوحي به المقام من مهابة في الذهنية السورية، وذلك بما يُمنح للمقام من قداسة عند مختلف مكونات الشعب السوري، فكانت كثرة هذه المقامات لدى الرحبي، وكان كل مقام يأخذ ملمحاً جمالياً يُعطي السمة العامة للتجربة التي لم تنفصل، برغم التنويع عليها، عن السياق العام للتجربة التي اكتسب أسلوبها الذي يُميزها عن غيرها من التجارب الكثيرة في المشهد التشكيلي السوري، إضافة لما يوحي به المقام من قداسة، أيضاً يُشير إلى جمالية غنائية أخرى، وهو المقام الموسيقي، في عالم الموسيقا الشرقية، ومن ثم كان غنى المصطلح الذي وسم فيه الفنان الرحبي تجربته بكثرة هذه المقامات التي وجد لها مُعادلها اللوني والعمارة التشكيلية بشكلٍ عام ضمن هذه الصياغات التي قدمها بأكثر من طريقة.. المقام ذلك المصطلح الذي استفاد من تعدد تأويلاته الفنان التشكيلي أنور الرحبي، فأخذ يطلقه على معارضه التشكيلية، وهو في هذا الغنى لما يختزنه مفهوم «المقام» كان أقرب إلى تدوين التجربة الفنية للفنان الرحبي، فقد كثرت مقامات هذا الفنان مع تنامي التجربة وتطورها من مقام الحمامة إلى مقام الجسد، ومقام الروح، ومقام المزار.. وأحدث مقامات أنور الرحبي؛ كان مقام الحبّ والحرب الذي أطلقه على معرضه الذي أقامه مؤخراً في صالة ألف نون للفنون والروحانيات في دمشق.
مستويات جمالية
هنا اللوحة تمكن قراءتها بمستويين على الأقل، الأول التكوين الذي يأخذ مساحة كبيرة في مقدمة اللوحة في أغلب الأحيان، وهو على الأغلب تكوين لامرأة، والثاني الرموز الصغيرة التي يُفعم بها ما تبقى من اللوحة، حيث تبدو المرأة وكأنها تقف على جبل وتنظرُ في الأفق لتأتي بالبعيد البعيد من غياهب الذاكرة، مع أن بعض اللوحات قد تكون بملء بياضها مُخصصة لاستحضار هذا البعيد من دون أن ينسى المتلقي الساردة في اللوحات السابقة..
في معنى «الإقامة» أو المقام عند الرحبي؛ يؤكد الفنان توفير البنية التحتية للإقامة، ومن ثمّ عمارة يُقيمها على هذه البنية، وهذا ما وفرته البيئة المحلية بسخاء، وهذا ما استثمره الرحبي في صياغة اللوحة التشكيلية بمعنى «المقام» هنا تجسيد للحالة الزمكانية، وهذا يُمكن تفسيره بالاندماج بين الشخصية التي هي تُمثّل بطلة اللوحة، أو الشخصية الرئيسة على خشبة مسرح اللوحة التي كما ذكرنا على الأغلب هي امرأة، وبين ما يحتويها من كتابات وزخرفة وعمارة وفلكلور وغير ذلك.. يلجأ إليها الفنان لإتمام الفراغ أو فضاء اللوحة بالصور الصغيرة التي تأتي مربعات تمكن قراءة كل رمز على حدة، ومن ثم قراءة كل ذلك دفعة واحدة ومعاً.. أنور الرحبي الذي ختم الفعالية بالقول: ما زلت أتعلم، ومازلت أداعب الأسود على البياض، وأرتبكُ أمام الأحمر والأخضر، وأجدهما من أخطر الألوان وأجملها..

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed