آخر تحديث: 2020-03-30 19:25:46
شريط الأخبار

الشاعر حامد حسن خمسة وعشرون عاماً مـن التنقيب في كنوز «الأمير»

التصنيفات: ثقافة وفن

إذا تحدثت إليك بآرائي، فلك كلُّ الحق، وكلُّ الحرية، أن ترفضَها، أو تأخذَ بها. أمَّا إذا تحدَّث إليك التاريخ، فماذا عساك تفعل؟، والتاريخُ الصحيحُ وثيقةُ حركة الإنسان، والبرهان الناطق بما كان.. بهذه الكلمات الواثقة استهلّ الباحث والأديب المرحوم حامد حسن كتابَهُ النفيس الفريد (من الكنوز المخبّأة) المكزون السنجاري، بين، الأمارة والشعر والتصوُّف والفلسفة.
ولست في هذه المقالة لأتحدّث عن هذا الكتاب، وأنّى لي ذلك؟ وكيف؟ وهي سلسلة ٌ استغرق فيها المؤلّف خمسةً وعشرين عاماً، ببياض أيامها وسواد لياليها، وتعاقب أحداثها، وهو مشغولٌ في الأعمّ الأغلب، والأهمّ الأوجب، – كما أحبَّ أن يوصّف ،ونِعْمَ التوصيف، – مشغولٌ في بحثه المستفيض، مشدودٌ إلى تتبُّعِه وإنجازه!
ولكن حسبي وعزائي أن أشير تلميحاً، خاصةً أنَّ التلميح أحد أهم سمات أدب المكزون العالي أقوى من التصريح، وهو رأيه السديد، ورأيُه الحقّ، ووقْعُ الحقّ، بلُطفهِ، يشفي الصدور ويداوي القلوب، ويدفّئُ النفوس، مع أنّه يذيبُ الجليد والحديد…!
وإنني إذْ أشيرُ إلى ذلك بتوفيق الأوجبِ بالشكر، لأعجَبُ كُلَ العجب وأنا بكاملِ طاقةِ طاعة الأدب أمامَ شاعرٍ: يختلف عن غيرهِ من الشعراء، فهو شاعرٌ ومتصوِّفٌ، وفيلسوفٌ، تعمَّقَ في كلِّ علوم عصره، فعالجَ في شعرِه المنطقَ، والفلسفة، والطبيعة، والفلكَ، والرياضياتِ، والتصوّف، والفِقهَ، والشِّعر، ومارس الزُّهد والتقشُّفَ، وراضَ السياسةَ والإمارة، وقاد الجيوش، وغزا الأعداء، وهُزِمَ، وانتصر.،، والعجيب أنه شارك في الاختلافات التي عُرفت في عصره وماقبل عصره، وناقش أهمَّ المسائل والنظريات لكبار الفلاسفة، والمتصوّفين، والمتكلّمين، والمحدِّثين، بمنطقِ يجمعُ بين البلاغة وقوّةِ الحُجَّة، والسند العقليِّ والنقلي ..
أمَّا الأعجبُ والذي أردتُ أن ألمّح إليه فهو هذا الهَجْرُ الجَهُولُ الذي يُعامَلُ به هذا الكنزُ العظيم، وعلامَ وكيف؟! وبأيِّ عينٍ عوراءَ، وبصيرةٍ عمياء، ينتقي المعنيون بكلّ شيء إلّا مايجب أن يعنيهم، ما ينشرون!
إنّ كتاباً منيراً للأفئدة والبصائر كهذا الذي دأب في تأليفه العَلمُ الرجلُ الأديبُ الرفيعُ الوطنيُّ بامتياز والإنسانيُّ بامتياز المرحوم حامد حسن، لهو جديرٌ بأن يُنشرَ منه الآلاف المؤلّفة من النسخ، كيف لا وهو في هذا السِّفر لايتعصبُ لرأي، أو نظرية، أو مذهب،، ولكنهُ يستعرضُها استعراضاً، متلمِّساً خصائصَها ومميِّزَاتِها، مقارناً بينها وبين نظائرها وأشباهها، لتظهرَ الفوارقُ، وتتَّضحَ نقاطَ التلاقي والابتعاد، وتتبيَّنَ مَواطنُ المقاربةِ والمشابَهة.
إنَّ كنزاً عظيماً كهذا الذي في ثنايا سَنِيَّات المكزون لهُوَ أكثر من جديرِ بالتربية والتعليم ومناهجها، إن لم يكن في الشعر، ففي أدب الشعر، وإنه لَمِن بدهيّات أدب الأدب أن يكون ذلك كذلك، وما المانع في أن نعلّمَ الشباب فنونَ علمِ الطبيعة المكزونيَّ، أو هدْيَهُ الفلكيَّ، أو الرياضي …..!
أمْ إنَّهُ الركونُ المَقِيتُ والاستظلالُ العبثِيُّ بِأفياءِ المُكابَرة الجَهُول، فإذا كان الأمرُ كذلك، فإنَّ الأميرَ العبقريَّ حسن بن يوسف المكزون السنجاريّ عميق وصادق القول، يقول:
مَنْ كابَرَ البُرهانَ في بحثِهِ
فذاكَ لا يُحْسَبُ إنسانا
لأنَّهُ إنْ فاتَهُ فهْمُهُ
فَدْمٌ، وإلَّا عُدَّ شيطانا
ختاماً، لعلَّ فيماوراء سطور علوم المكزون الدُّريَّة عذراً لمن لم يتلمَّسْها فيتعلّمَها أو يعلّمها، ذلك أنَّ من لم يفدْ منه، هو غيرُ جديرٍ بسعتِه، ولا خليق بعُمقِه، خاصةً أنَّ فيه من العلم النافع الرافع، مالا يعِيهِ أكثرُهم، أليس هو القائل:
قالوا: تحدَّثْ بالصريحِ
من الحديثِ، بغيرِ رمزْ
فأجبْتُهُم: هلْ عاقلٌ
يرمي الكنوزَ، بغيرِ حِرزْ؟!

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed