آخر تحديث: 2020-03-30 20:41:22
شريط الأخبار

منبتها بين دجلة والفرات «النـاي» في فضاءات الإبداع

التصنيفات: ثقافة وفن

الحديث عن آلة الناي يأخذك إلى الدخول في عمق التاريخ، إلى بداية البشرية الأولى، حيث الحضارات التي سكنت ضفاف دجلة والفرات، والخوض في هذا الموضوع الشائك يحتاج كتابة مجلدات، لا مقالة تنحصر بعدد الكلمات، ولكن سنحاول الإيجاز وإيصال المعلومة الكافية عنها منذ نشوئها.
لم تكن آلة الناي في البداية بشكلها الحالي، ولم تكن بشكل واحد أو تسمية واحدة، بل لهذه العائلة أكثر من اسم كما نجدها في الوتريات (عائلة الكمان)، والنفخيات النحاسية والآلات الإيقاعية، بدأت صغيرة الحجم، ذات ثقب واحد أو ثقبين أو ثلاثة، صنعت من القصب أو من الفخار، وقد عثر على هذه الآلة في إحدى التنقيبات (موقع مابين النهرين) التي تعود إلى عصر حسونه في أواخر العصر الحجري الحديث (5500ق.م)، وهذا الأثر قطعة فخارية تشبه في شكلها (سيكار التدخين)، وهناك بعض الثقوب المنظمة على سطح هذه القطعة، الأمر الذي يدل على استعمالها كآلة نفخية، وسميت حين اكتشافها بالصفارة، ويمكن لنا أن نعدها الناي الأول في التاريخ البشري.
عند السومريين
الناي، قصبة جوفاء مفتوحة الطرفين ويقع النفخ فيها مباشرة وعلى حافة فتحتها المواجهة لشفتي العازف، اكتشفت هذه الآلة ماقبل العصر الإسلامي في حضارة مابين النهرين (موطن الموسيقا والآلات الموسيقية)، حيث عثر المنقبون على قطع أصيلة منها، كان يستعملها السومريون، في المقبرة الملكية في أور مصنوعة من الفضة فيها أربعة ثقوب متساوية الأبعاد.
آلة الناي آلة موسيقية نفخية مهمة الحضور في الفرق الموسيقية الشرقية وتكاد هذه الفرق تتميز عن بقية الفرق الغربية بوجود هذه الآلة.
تبوأت آلة الناي مكانة مرموقة في التراث الموسيقي الشرقي والعربي عبر عصور مختلفة، وتتميز هذه الآلة عن غيرها من الآلات الموسيقية الشرقية بأنها الآلة الوحيدة التي تستعمل في الموسيقا التقليدية والدينية والشعبية، إلى جانب ذلك فهي تعد من الآلات الرئيسة في التخت الشرقي التقليدي، فضلاً عن أنها آلة النفخ الوحيدة فيه، ولعدم وجود مفاتيح في هذه الآلة فلا يمكن أداء مختلف الدرجات الصوتية التي تتألف منها مقامات الموسيقا العربية إلا باستعمال عدد من النايات المختلفة في الطول والطبقة الصوتية ليتسنى لها أداء الألحان في طبقات صوتية مختلفة الدرجات.
كما أسلفنا هناك أشكال متعددة لعائلة الناي، نذكر منها (الماصول) تصنع من الخشب الأسطواني المجوف وترافق الآلات الموسيقية الأخرى مع الغناء الموصلي ومنها الغناء المردلي في الجزيرة السورية وماردين وموصل، وآلة (الشمشال) نوع من أنواع النايات، قريبة جداً من الناي الأصلي وترافق الغناء الكردي في القامشلي ومناطقها وتستعمل بكثرة أيضاً في المناطق الكردية في العراق، ولاسيما في السليمانية، و(المطبك)، وتصنع هذه الآلة من القصب وهو ما حال دون بقائها عدة قرون من الزمن الأمر الذي أدى إلى عدم العثور في التنقيبات الأثرية على آلات أصيلة قديمة، لكن يمكن أن نعتمد على مسلة أورنامو التي عثر عليها في أور ونقلت إلى متحف جامعة بنسلفانيا في أمريكا، واستمر استعمال هذه الآلة في العصور اللاحقة التي أعقبت العصر السومري الحديث (2100- 1950 ق.م) حيث عثر في لارسا (سنكره) على دمية طينية لقرد يجلس القرفصاء وهو يعزف على المزمار المزاوج (المطبك)، ومنحوتات أخرى تدل على استعمال هذه الآلة في العصر الآشوري والسلوقي والفرثي وكلها قبل الميلاد بمئات السنين، وهناك أيضاً، الزرنة والقرناطة وتسمى أيضاً بلبان ودودوك ومازالت تستخدم في أغاني الجزيرة السورية بكل ألوانها.
في سورية القديمة
يعد الناي والمزامير المشابهة له من أقدم الآلات الموسيقية التي عرفها السوريون، ويمكن القول إنها من أعرق الآلات الموسيقية التي عرفها الإنسان، ولا يمكن إرجاع تاريخها إلى عصر محدد أو فضل ابتداعها إلى أمة معينة، فآلة الناي وشبيهاتها تكاد تكون معروفة في كل أصقاع الأرض ومنذ غابر العصور، وإن اختلفت أشكالها ومواد صنعها وطرق استخراج الصوت منها، ولعل ذلك يعود إلى سهولة صنعها وتوافر مادتها في الطبيعة إلى جانب صغر حجمها وخفة وزنها ما يمكّنها أن تكون مرافقة للإنسان أينما وجد، فحافظ عليها ولازمته في كل مراحل تطوره متكيفة حسب تراثه الموسيقي، وهناك شواهد أثرية تبرهن على أن هذه الآلة كانت معروفة في عصور ماقبل التاريخ والحضارات القديمة.
ففي سورية أيضاً نجدها في التنقيبات الأثرية في ماري ودورا أوروبوس وتل ليلان وتل موزان والرصافة وأوغاريت وإيمار وغيرها من الحضارات التي مرت على بلدنا وهذا دليل قاطع على أن هذه الآلة قد انطلقت من منطقتنا، وعند زيارتنا إلى المتحف الوطني في دمشق نجد رسماً جدارياً مكتشفاً في قصر الحير الغربي يمثل موسيقية تنفخ في ناي مزدوج وموسيقية تعزف على آلة العود.
الناي شعراً
في أسطورة عشتار وأدونيس تندب عشتار حبيبها أدونيس متحسرة «لقد أصبح قلبي مثل ناي حزين».. كما نجد في الشعر العربي القديم العديد من الشعراء قد ذكروا الناي في أبياتهم، فمثلاً الأعشى البكري يقول «…والناي نرم، وبربط ذو بحة والصنج يبكي شجوة أن يوضعا…» أيضاً حسان بن ثابت قال وهو يهجو قوماً من بني المدان:
كأنهم قصب جوف مكاسره مثقب نفخت فيه الأعاصير.
كما ورد في كتاب الموسيقا الكبير للفارابي تعريف لآلة الناي «إن نغم المزامير يكون تبعاً لاختلاف أطوالها وتجويفها ومعاطفها «ثقوبها».. ويعطي الفارابي نسب أبعاد الأصوات التي تصدرها المزامير ويميز بين الناي والسرناي والمزمار المزدوج.
تستعمل آلة الناي بكثرة في الطرق الصوفية وتؤدى بها الأناشيد الدينية عند أغلب الديانات فنجدها عند الفراعنة حيث كانت تستخدم وتعزف عليها للتقرّب من الإله، ومن الديانات القديمة التي تستخدم هذه الآلة في شعائرها، التي مازالت موجودة في سورية والعراق، الديانة الإيزيدية وتستخدم الناي إلى جانب الدف والطنبور، حيث يجتمع الناس من قرى وبلدات ويمشون باتجاه لالش (المعبد) وهم يرددون شعائرهم بمرافقة الآلات التي ذكرتها، ولم يعرف الناي بشكله الحالي في منطقتنا إلا في القرن الثالث عشر للميلاد، ولاسيما عن طريق المتصوف الشهير جلال الدين الرومي (1207- 1373)، حيث جعلها رمزاً للطريقة المولوية، وكانت رابعة العدوية من أمهر العازفين على الناي.
وفي العصر الحديث يمكن لنا أن نذكر الشيخ علي الدرويش الحلبي الذي عاش بين عامي (1884- 1952) كأول عازف على هذه الآلة في سورية.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed