الإفتاء بالقتل في زمن تلتبس فيه المواقف والإيديولوجيات والحسابات والمعطيات، جريمة يقدحها الجهل المركّب بالدّين والدُّنيا.. فالأصل في الإفتاء عموماً هو الاحتياط ، فليس كلّ ما يُتوصّل إليه من تراجيح بناء على الفقه الاستدلالي يصلح للفتوى.. وإذا كان الاحتياط أولويّاً في الإفتاء العام فهو في الدماء والتكفير أولى في الاستثناء.. بل يُعرف جهل المفتي وترفع عنه العدالة إذا استرخص الإفتاء في التكفير والقتل.. ذلك لأنّ الاحتياط في الدماء والنفوس المحترمة ليس خلافاً للاجتهاد بل مدركه مقام شدّتهما في الاعتبار.. فهو احتياط العالم وليس احتياط الجاهل.
وإذا حار العلماء فيما لو كان الجهل المركب من أقسام الجهل أم من أقسام العلم فعلينا أن نحسم في هذا الخلاف اليوم أكثر من أي وقت مضى.. فشبهة من ردّه إلى العلم هي مقام القطع، وهو حجّة عند الأصولي.. وفيها نكات تجرّك إلى مبحث التجرّي وما أدراك ما التّجرّي.. وفيها مساحات قلقة لم تحسم بعد منذ «صاحب الرسائل» فأضفها حفظك الله إلى حديثه عن اختصاصات الفقيه ليس تغليطاً للأستاذ وهو أيقونة الأصول بل لأثر السياق والظروف والشروط التي شكلت مناطات للقول الفقهي آنذاك.. وبقيت في عداد اللامفكر فيه إلاّ في مقام التجريد.. لكن البلوى اليوم عامّة، فهل يا ترى سيكون الإرهابي القاطع غير مسؤول عن جرمه لأنه عمل بالقطع؟
إنّ الجهل المركب في نظري هو من أقسام الجهل وعلينا تحديداً أن نلحقه بوضعية قطع القُطّاع غير الحجّة.. فالقاطع على نحو الجهل المركب ككثير القطع سيان.. فليس الجاهل على نحو المركب وحده لا يعلم أنه جاهل بل حتى القاطع بالعادة يرى نفسه كذلك.. ذلك لأنّ الجهل المركّب هنا منظور إليه من زاويتين يلعب الحامل لذاك الصنف من العلم دوراً في تحديد الموقف منه: فإن كان جهلاً مركّباً عارضاً فهو بخلاف ما كان الجهل المركب فيه عادة، ففي الأوّل يكون العالم منصتا وملتفتاً لتشعب المواضيع فلا يحكم بجهله المركب بل يحتاط.. وفي أوضاعنا الراهنة لا يمكن للعالم أن يقطع في أحكام التكفير في مشهد متلون تتداخل فيه الاعتبارات فيكون الموقف: الاحتياط .. أما من كان الجهل المركب فيه عادة فهو يصنف مهما بدا دقيقاً ونسقياً بالأمراض العقلية التي يبدو فيها الأمر في نظر المريض كما لو كان هو الواقع.. ذلك لأنّ تكليف الجاهل على نحو المركب يبدأ تكليفه في المقدمات، فلو استسهل المقدمات ولم يلتفت للعنايات والاعتبارات فهو آثم قبل أن يرتب عليها النتيجة القطعية، فهي نتيجة قطعية باعتبار ترتبها على ما قبلها من مقدمة أو مقدمتين أو أكثر صحيحة لكن ثمة مقدمة فاسدة بنيت عليها المقدمات الأخرى.. وكما نظر المحدث في سلسلة الرواية فضعف من كان في سلسلة الرواة غير الثّقة فكذلك الفقيه ناظر إن كان في سلسلة الاستدلال مقدمة فاسدة.. وهنا لا بدّ من التذكير بأن هذا النوع من القطع الذي يتم فيه التساهل في المقدمات التأسيسية والتشدد في المقدمات العليا في الاستدلال ليس حجة بدليل أن أصحابه مسؤولون عن خطاياهم لأنهم بدليل ما جاء في سورة الكهف:«وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً..»، وبهذه الآية أستدل على أنّ الجهل المركب ليس حجّة وليس من أقسام العلم لأننا كما لا نأخذ بقطع القطاع وقطع الجهال فكذلك لا نأخذ بقطع من في اجتهاده علّة وتسامح في بناء الدليل.
إنّ المثل المرعب وغير الواقعي الذي أُسند به هذا المبحث هو مخرجات القطع التي تضعك أمام إشكالية التجري في نازلة وجوب قتل النبيّ بناء على القطع، وصورته كما لا يخفى على أهل الأصول في مدرستنا فيما لو حصل القطع الطريقي الذي هو واسطة في إثبات متعلّقه، وهو حجة في المقام، بأنّ الشخص المذكور هو المجرم القاتل الذي في ذمته عقوبة القتل، بينما في الواقع هو نبي. فالحكم الشرعي بناء على القطع يرى وجوب الإتيان، ويعاقب من تخلى عنه لمقام التجري..المثل ترعيبي قد يصبح مغالطة لسببين: السبب الأول لمقام الاحتياط في الدماء والنفوس وأنّ مطابقته للواقع تشفع بأثر رجعي لأنّ أثره في الواقع جابر للتجري.. والله أعلم، لكن من ناحية أخرى أنّ هذه النازلة تجريدية محض ليست محل بلوى ومستبعدة وهي من حيث حساب الاحتمال غير معتبرة، هذا ناهيك بأنّ النازلة إياها إن حصلت فإنّ العناية واللطف سيتدخلان لمنع هذا الحدث المأسوي، فهو يبدو والحال هذه كالحالة الإبراهيمية مع فارق ضئيل، حيث القطع بالموقف الشرعي إن كان مؤدّاه كذلك تدخل اللُّطف لمقام: «والله يعصمك من النّاس»..هذا فضلاً عن أن كل الحالات التي تمّ فيها الاعتداء على الأنبياء كانت بناء على معرفة وقرار مسبق ودائماً اقترنت باللُّطف والعصمة.
لقد أظهرت السلفية «الجهادية» أنها لا تتحرك بفقه متين، حيث استولى الدعاة على الخطاب الفقهي فأرسلوا فتيانهم على مزاج قطع القُطّاع، وهم لا يدركون أنّ المختلف في السياسة أو الفكر أو الأيديولوجيا هو مستند إلى مبان مختلفة، وأنّ استعمال الفتوى الدينية في مجال الاختلاف السياسي والفكري والثقافي يعد أمراً خطيراً يهدد النّظام العام في المجتمعات ويفكك النسيج الاجتماعي.. إن مجال الخلاف هو مجال الأفكار والاستدلالات والإقناع والمؤانسات وحتى الحجاج، لكن أي معنى أن يهدر متطرف دماء النّاس «بفقه» يستند إلى الرغبة والقطع الغريزي وليس القطع العُقلائي المعتبر؟!.

*كاتب من المغرب

print