للمرة الأولى يجمع معظم العالم على هذا القدر من الاستهانة بقمتين، المقصود؛ القمة الاقتصادية العربية في بيروت، والقمة الأمريكية ضد إيران في وارسو، أشياء كثيرة أخرى تجمع القمتين، إضافة إلى الاستخفاف الرسمي والشعبي.
جاءت القمتان تعبيراً عن رغبة أمريكية واضحة بإضفاء وقع سياسي معين، يعيد للولايات المتحدة بعضاً من هيبتها التي تضررت نتيجة فشل المشاريع الأمريكية في أكثر من ساحة، ففي سورية، ورغم كل ما فعلته وتفعله أمريكا، إلا أن الحقيقة الثابتة والأكيدة هي فشل المشروع الأمريكي الأصلي المتمثل «بإسقاط» الدولة السورية، واضطرار الولايات المتحدة إلى اللجوء إلى مشاريع صغرى تحفظ حضورها السياسي على طاولة المفاوضات والصفقات السياسية، بعد أن فقدت الكثير من قدرتها على التأثير في هذه المفاوضات.
لهذا السبب جاءت الضغوط الأمريكية على الدول العربية لعدم الموافقة على الحضور السوري، على عكس كل الخطوات والتصريحات الرسمية العربية خلال الشهور الماضية، لقد وضعت الولايات المتحدة حلفاءها العرب في موقف لايُحسدون عليه، فتبعاً للتغيرات على الأرض، وتراجع المشروع الأمريكي- الصهيوني، فإن وقائع السياسة تفرض على هذه الدول الانفتاح على الدولة السورية، وهو ما حدث فعلاً.. وعلى عكس تحركات التقارب مع سورية جاءت الضغوط الأمريكية على الدول العربية، ولم يكن أمام الرؤساء والملوك العرب من حل سوى تخفيض مستوى المشاركة، إلى المستويين الثاني والثالث من المسؤولين السياسيين.
على الجانب الآخر من العالم تعاني الولايات المتحدة تمرداً أوروبياً في أكثر من ملف، فمن ناحية ما زالت أوروبا متمسكة بموقفها الملتزم بالاتفاق النووي مع إيران، ومن ناحية أخرى لم تبدِ أوروبا أي تراجع أمام الخطة البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي التي دعمها الرئيس ترامب بشكل علني ومستفز، وهو ما أدى إلى خسارة تاريخية لمشروع تيريزا ماي للخروج من الاتحاد الأوروبي أمام البرلمان البريطاني، وهي الخسارة التي وصفها زعيم حزب العمال جيرمي كوربن بأنها كافية لدفع أي رئيس وزراء يحترم الإرث الديمقراطي البريطاني إلى الاستقالة.
ورغم إفلات حكومة ماي من التصويت بحجب الثقة إلا أن السيناريوهات المستقبلية، جميعها، مقلقة للولايات المتحدة بما فيها إجراء استفتاء جديد، أو العودة إلى البرلمان وطلب حجب الثقة عن الحكومة.
وحسبما نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال الأمريكية» في عددها الصادر يوم 18 كانون الثاني 2019، فإن معظم الدول الأوروبية تتجه إلى مقاطعة لقاء وارسو، وأشارت الصحيفة الأمريكية إلى أن فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، ودول أوروبية لن يشاركوا «بسبب عدم وضوح الأهداف من القمة.».. ورأت الصحيفة أن الأوروبيين ينظرون إلى اختيار وارسو مكاناً لعقد القمة، يهدف إلى شق الصف الأوروبي وأكدت أن «الاتحاد الأوروبي لن ينضم إلى تحالف ضد إيران».
بغياب أغلب القادة العرب عن قمة بيروت، وغياب معظم الدول الأوروبية عن قمة وارسو، فإن توقع فشل القمتين أمر منطقي، هذا الفشل سينضم إلى سلسلة الخسائر السياسية التي تحيق بالسياسة الأمريكية في معظم القضايا الدولية، ولعله سيكون صفعة أخرى للولايات المتحدة في طريق صحوتها من وهم القطب الواحد الذي ما زال يسيطر على عقول الكثيرين داخل الإدارة الأمريكية بشكل واضح.
ومن المنطقي أيضاً الاستنتاج أن الغياب الأوروبي عن لقاء وارسو، يُجير لمصلحة إيران، بل إنه يشكل دعماً للموقف الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة، وتالياً بحساب الأرباح والخسائر، فإيران كسبت الجولة، والولايات المتحدة خسرتها.
وكذلك، رغم غياب سورية عن قمة بيروت، إلا أنها كانت الأكثر حضوراً، لأن حضورها وغيابها كانا الفاصلين بين نجاح القمة وفشلها، فعلى الرغم من الحضور المتأخر لأمير قطر الذي يرى أن الغياب السوري يعد «انتصاراً» لموقف بلاده داخل الجامعة العربية، فإن الواقع يقول: لو حضرت سورية، لحضر الجميع وغابت قطر، ولكان مصير القمة النجاح.

*كاتب من الأردن

print