ليس مصادفةً أن يتم اكتشاف لوحات فسيفساء في الرستن تعد قمة في التفرد والروعة، فكثيرون هناك يمارسون مهنة البحث عن الآثار بقصد الاتجار بها ويعمل آخرون في مهنة تزييف الآثار عن طريق التعتيق لسنوات طويلة وبيعها على أنها أصلية، وفي الرستن بدا بعض المواطنين الذين التقيناهم متفهمين لحقيقة أن هذا الاكتشاف هو إرث إنساني يفترض أن تقوم الجهات المختصة بالكشف عنه لكونه يضيء حقبة زمنية غارقة في التاريخ، في حين عبر قلائل عن استيائهم معتبرين أن الآثار المكتشفة من حق أصحاب العقارات، وطلب أحدهم مبلغاً كبيراً ثمناً لعقاره الذي تنام إحدى لوحات الفسيفسفاء الضخمة تحته.
منذ عام 2007 ومديرية آثار حمص تحاول استملاك التل الأثري، لكن عملية الاستملاك لم تتم لأسباب تتعلق بوجود عدد من المتنفذين من أبناء الرستن في مفاصل الدولة حينذاك، ولا يزال البعض اليوم يحاول طمس المكتشفات والتقليل من أهميتها ووأد ما تم إحياؤه من جديد.

أريتوزا…. ربة المياه
تعد مدينة الرستن من أهم مدن الجمهورية العربية السورية لما تتمتع به من موقع جغرافي مميز (منتصف الطريق الواصل بين محافظتي حمص وحماة على مجرى نهر العاصي)، وهي ذات مناخ ملائم وتربة خصبة ساعدت على قيام الكثير من الحضارات فوق أرضها، ويجمع المؤرخون والباحثون على أن مدينة الرستن هي أريتوزا المدينة السلوقية (ربة المياه) حسب الأسطورة الإغريقية. وصلت المدينة أوج ازدهارها في الفترة الكلاسيكية وحصلت على الكثير من المميزات خلال فترة حكم أسرة شمشيغرام التي حكمت حمص والرستن في أواخر العصر الهلنستي وأوائل العصر الروماني، إضافة إلى أهمية المدينة خلال فترة حكم الأسرة السيفيرية لروما، أما في الفترة البيزنطية فقد كانت إحدى الأسقفيات التابعة لبطريركية أنطاكيا، وتدل آثارها المكتشفة على أهميتها التاريخية والحضارية إذ إن هذه القطع ذات الأهمية الاستثنائية في الفترة الكلاسيكية تؤشر إلى وجود سويات أثرية بالغة الأهمية ومن أهمها التابوت الرخامي الذي يصور معركة طروادة إضافة إلى لوحة فسيفسائية تمثل بوابة مدينة الرستن.
واليوم، وبعد مضي مئات السنوات وبعد ما حدث لبلدنا من حرب وتخريب لم يشهده التاريخ من قبل آن الأوان لتأخذ اريتوزا مكانها ودورها التاريخي، ورب ضارة نافعة وكانت البداية من ورود معلومات إلى دائرة الآثار والمتاحف من الجهات المختصة بعد خروج العصابات المسلحة من المدينة عن وجود عمليات حفر وتنقيب غير شرعية في مناطق متعددة من مدينة الرستن، محلة الرستن الفوقاني (منطقة التل الأثري)، وبناء على تلك المعلومات تم تشكيل فريق وطني من خبراء الدائرة (شعبة التنقيب ومخبر الترميم) لمتابعة العمل وإجراء اللازم.
في زيارتهم الأولى أفاد الفريق بأنه بعد الكشف على المنطقة والأماكن المقصودة بالبحث والتنقيب تبين أن المواقع المذكورة تعرضت لعمليات تنقيب وحفر غير شرعي من قبل المسلحين أثناء وجودهم في المدينة، وتم الكشف عن أجزاء من أربع لوحات فسيفسائية تعود إلى الفترة الكلاسيكية.
لوحة بوسيدون إله البحر
في الموقع الأول، وبعد الكشف الأولي، تبين أن الموقع المشار إليه هو منزل سكني يحتل العقار (276-277)، وهو مؤلف من 5 غرف وحديقة إضافة إلى الخدمات، وبالكشف عن الحفرة التي تم إحداثها والإبلاغ عنها والموجودة في الغرفة الوسطى من الجهة الشرقية للمبنى، (تبلغ أبعاد الحفرة (200/160سم) وتنخفض عن سطح المبنى في أخفض نقطة منها ثلاثة أمتار ونصف المتر، حيث توجد مكعبات حجرية تشكل اللوحة الفسيفسائية)، لوحظ وجود أنفاق تم ردمها مؤخراً (نفقان يتجهان باتجاه الشمال ونفقان آخران يتجهان باتجاه الجنوب). بدأ العمل بترحيل الأتربة الخارجية، وتم التوسع وفتح سبر بشكل منهجي ليشمل كامل مساحة الغرفة (300/400سم)، ما تم رفعه من طبقات السبر كان ردميّات حديثة تحتوي على كسر فخارية متعددة الطرز واللون والسماكة، أغلبها يعود إلى الفترة الكلاسيكية، إضافة إلى وجود كسر إسمنتية وبقايا أكياس بلاستيكية تعلو سطح اللوحة، الأمر الذي يؤكد أن اللوحة تم الكشف عنها مسبقاً ثم تم ردمها حديثاً قبل إبلاغ مديرية الآثار في حمص عنها، ومن ثم تم الكشف عن قناة فخارية تقع في الجهة الشمالية للوحة ممتدة من الشرق باتجاه الغرب تعلو لوحة الفسيفساء بـ80 سم. تم تنظيف سطح اللوحة وإظهار معالمها.. اللوحة ذات مضمون ميثيولوجي أسطوري إغريقي تمت صياغتها بأسلوب محلي يميز الفن السوري في الفترة الكلاسيكية، نُفذت اللوحة بمكعّبات حجرية متعددة الألوان على خلفية بيضاء. تمت دراسة الحالة الفنية للوحة، وهي في حالة جيدة باستثناء فقدان وانقطاع المكعبات في الجزء الجنوبي الغربي منها، كما وتظهر بعض الشقوق على سطح اللوحة. تعد هذه اللوحة من أجمل وأهم اللوحات الفسيفسائية التي تم الكشف عنها حتى الآن وتمثل بوسيدون إله البحر مع النيريدات (حوريات البحر) القسم المركزي من اللوحة (أمبليما) يمثل الإله بوسيدون إله البحر يعتلي عربة تجرها أربعة خيول وهي رمز له ويحمل بيده حربته ثلاثية الرؤوس، جانبه زوجته أميموني، يحيط بهما تصوير لرجلين الأيمن منهما تعلوه كتابة تيتوس، أما الرجل الأيسر فهو يمسك بلجام الحصان الأخير يعلوه ذكر لاسم جالينوس. تبلغ أبعاد القسم المركزي وحده (67/67سم) ويحيط بالقسم المركزي شريط مصور يمثل بعض الربات مثل ولادة الربة أفروديت من الصدفة إضافة إلى بعض الشخصيات الأسطورية المرتبطة بالإله بوسيدون مثل زوجته امفتريتي، كما يمكن تحديد بعض الأسماء التي تم تصويرها وذكرها مثل دورا، جالاتيا…. وغيرها، تبلغ أبعاد الشريط المصور (80/230سم).
أما الكورنيش (الإطار الخارجي) فيحتوي على زخارف هندسية وهو مؤلف من عدة إطارات وهي على التتابع إطار من مربعات ثلاثية البعد، إطار ثانٍ من دوائر متقاطعة، إطار ثالث مؤلف من جديلة ثلاثية، إطار رابع مُشكل من جديلة ثنائية أما الإطار الخامس فهو مربعات تحتوي على جدائل عموديه ثنائية، يبلغ العرض التقريبي للكورنيش (260سم).
المهندس حسام حاميش- رئيس دائرة الآثار والمتاحف في حمص الذي رافقنا في الجولات على المواقع واللوحات المكتشفة قال: لأهمية العمل ولتحديد امتداد اللوحة وماهية المبنى الذي تحتويه تلك التحفة، تم فتح أسبار جديدة في أماكن تم حفرها وردمها مسبقاً، وما تم الكشف عنه يؤكد وجود مبنى مجهول الهوية إذ تم الكشف على جزء من جدار مؤلف من حجر كلسي وعند مستوى قاعدة هذا الحجر ظهرت سوية كلسية ربما تكون سكنية، بجوار قاعدة هذا الحجر وإلى الجنوب منه توجد مونة كلسية تحتوي على حجارة بازلتية مغموسة ضمنها تشكل قواعد أحجار الجدار الكلسي ذاك.
لوحة تم العبث بها…. وبوابة
في زيارتنا إلى الموقع الثاني تبين أنه منزل سكني يحتل العقار رقم (315) رستن فوقاني، مؤلف من طابقين وباحة سماوية. كانت الجهات المختصة قد ضبطت أشخاصاً يقومون بعمليات تنقيب غير شرعي في المنزل، وحفروا حفرة بأبعاد (170/180سم) وعمق (230سم)، حيث ظهر جزء من أرضية فسيفسائية. تم توثيق الموقع بالتصوير الفوتوغرافي وتنظيف السطح الذي كانوا قد وصلوا إليه.. وتم الكشف عن مكعبات حجرية مرصوفة بشكل هندسي تشكل جزءاً من لوحة فسيفسائية. توسعنا في السبر ليشمل كامل مساحة الغرفة بأبعاد (3/4 أمتار)، تم الكشف عن جدران مبنية من الحجارة الكلسية ذات القطع الكبير والمتوسط، وفيه جدار غربي مكسوّ بطبقة من المونة الكلسية تظهر عليها آثار نحت غائر بشكل أنصاف دوائر متتالية، وجدار جنوبي يبدو أنه مبني على مرحلتين متلاحقتين زمنياً، وتظهر في وسطه خمسة مداميك حجرية بازلتية وتحيط بهما حجارة كلسية عموديه ذات مقطع ضخم تشكل ما يشبه البوابة.
وبمتابعة العمل والحفر من قبل خبراء آثار حمص حتى عمق 230سم ظهر سطح اللوحة الثانية.. ما تم الكشف عنه هو جزء من لوحة فسيفسائية، هذا الجزء من المتوقع أنه يشكل الإطار الخارجي للوحة المركزية التي لا تزال غير مكتشفة والممتدة تحت الجدران. نفذت اللوحة بمكعبات حجرية ذات ألوان متعددة رصفت بأسلوب هندسي لتشكل رسوماً هندسية من معينات ومربعات ثلاثية البعد وأمواج بحرية، وبدراسة الحالة الفنية وإجراء الاختبارات الضرورية لتحديد ثبات ومتانة اللوحة تبين أن اللوحة تعاني بعض المشكلات ومنها فقدان جزء من المكعبات في وسطها إضافة إلى تخلخل وانفصال بعض المكعبات عن الأرضية الكلسية الحاملة لها.
قال حاميش عن هذا الموقع:لاستكمال المعلومات وأخذ فكرة أكمل عن المبنى ومحيط اللوحة الفسيفسائية، تم فتح سبر جديد على عمق (80 سم) وبدأت تظهر معالم حجارة مرصوفة بشكل منتظم يبلغ عرضها (80 سم) وهي جزء من جدار يأخذ شكل منحنٍ (جزء من دائرة).
في الموقع الثالث، بعد الكشف تبين أن السبر هو حفرة تتراوح أبعادها بين 1.5/1.5م ولوحة الموزاييك على عمق 280سم وتقع في مكان مكشوف وغير مغطى.. تم تنظيف سطح اللوحة وإظهار معالمها وما تم الكشف عنه هو جزء من لوحة فسيفسائية ممتدة تحت الجدران في الجهات الثلاث (الشمالية، الغربية والجنوبية)، أما الجهة الشرقية فهناك انقطاع وغياب للمكعبات. تم تنفيذ هذا الجزء بمكعبات حجرية ذات ألوان متعددة (أسود، قرميدي..) على خلفية بيضاء رصفت بأسلوب هندسي لتشكل رسوماً هندسية من معينات، وعليه قام الفريق الأثري بدراسة الحالة الفنية وإجراء الاختبارات الضرورية لتحديد ثبات ومتانة هذا الجزء وتبين أنه يتمتع بحالة فنية جيدة، باستثناء الجزء الشرقي الذي يعاني فقدان جزء من المكعبات، وتم توثيق اللوحة والسبر من خلال إجراء رفع هندسي إضافة إلى التصوير الفوتوغرافي.
لوحة الأزهار
في الموقع الثالث، وهو منزل سكني وباحة سماوية وإسطبل، لوحظ وجود آثار حفر وتنقيب غير شرعي في أماكن مختلفة من المبنى، تم توثيقها بالتصوير الفوتوغرافي. وتم الكشف عن الحفرة التي تم إحداثها والإبلاغ عنها والموجودة في الباحة السماوية. تبلغ أبعاد الحفرة (200/170سم) وتنخفض عن سطح أرضية الباحة 200سم، حيث توجد مكعبات حجرية تشكل جزءاً من لوحة فسيفسائية لا تزال غير مكتشفة وممتدة في جميع الجهات تحت الطبقات الترابية. نفذت اللوحة بمكعبات حجرية ذات ألوان متعددة، رصفت بأسلوب هندسي لتشكل رسوماً لأزهار على خلفية بيضاء، كما تم الكشف عن جدران أثرية.
توثيــــق…
أكد لنا الفريق الأثري أنه تم توثيق كل المراحل التي نفذت، بدءاً من لحظة الوصول إلى المواقع والبدء بأعمال ترحيل الأتربة والحفر والتنظيف وانتهاء بعملية إظهار المكعبات والجدران من خلال التصوير الفوتوغرافي، كما تمت عمليات رفع هندسي دقيقة للمواقع واللوحات، كما أوضح أنه اعترضت العمل مجموعة من الصعوبات والمعوقات ومنها سوء الأحوال الجوية لأن العمل تم مع بداية فصل الشتاء إضافةً إلى عدم توافر مكان مناسب لتجميع الأتربة التي تم رفعها.
خطـــورة….
قال حاميش: نتيجة الخطر الإنشائي الذي أصبح يهدد المباني لأن أرضيات المباني (المبنى الأول والمبنى الثاني) تحتوي على أنفاق أُحدثت سابقا إضافة إلى الأسبار التي تم فتحها، الأمر الذي قد يعرض المبانى والبعثة والعمال للخطر، تم إيقاف العمل لحين استكمال الدراسات الإنشائية.
في الموقع الأخير الذي زرناه تقع اللوحات في مكان مكشوف وغير مغطى وعنه قال حاميش: بما أننا الآن في بداية فصل الشتاء، والمعروف أن الرستن من المناطق ذات المعدل المطري العالي، فإن هذه الأسبار قد تصبح مكاناً لتجمع مياه الأمطار والأوساخ إضافة إلى إمكانية حدوث انهيار وانسلاخ في الجدران المحيطة باللوحة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضرر غير قابل للتلافي في اللوحات.
أكد كادر التنقيب في مديرية آثار حمص أن العمل لا يزال في بدايته، وأنه يحتاج المزيد من الدراسات المعمقة وفتح أسبار جديدة لتحديد مدى امتداد اللوحات ومعرفة هوية المباني التي تم اكتشاف اللوحات فيها، ونوه بعضهم بعدم ذكر أسمائهم في التحقيق الصحفي لأسباب تتعلق بتوجيهات المديرية العامة للآثار، كما أوضحوا أن هذا العمل يحتاج تضافر جهود كل المختصين والمهتمين ويحتاج المزيد من الدعم المادي والمعنوي لمتابعة إنجاز وإنجاح هذا العمل، وأخيراً، أشاد المهندس حاميش بجهود وكفاءة فريق العمل وتعاطيهم بكل دقة وحذر وبكل علمية.
مراجـــع….
الدكتور عماد موصلي في كتابه ربوع محافظة حمص (صفحة 118) قال: تولى سلوق نيكاتور أمر سورية بعد الإسكندر الكبير، وازدهرت في عهده بلدة الرستن ( اريتوزا)، ويرجع اسم اريتوزا في الأصل إلى مدينة في مكدونيا، وإلى إسم إحدى ربات الماء في الأساطير الإغريقية، وأعطيت هذا الاسم لوقوعها على ضفاف العاصي.
وحسب المؤرخ الروماني أبيبان تحتل الرستن موقع مدينة أريتوزا من العصر الروماني، وأسس المدينة سلوق نيكاتور، وسميت أريتوزا على اسم مدينة في مقدونيا.

print