لم يكن جو لبنان قبل أيام، أبرد من جو القمة العربية الاقتصادية التي عقدت في بيروت، وقد زاد من برودة هذه القمة اعتذار سورية وغيابها حيث كان له الأثر الكبير في برودة هذه القمة وسواها من القمم التي عقدت من قبل، لأن سورية وكما هو معروف مؤسّسٌ رئيسيٌّ لجامعة الدول العربية التي تتولى عقد القمم، وكان لها الدور الفاعل في جميع القمم التي حضرتها.

وقد ساهم وجود سورية من قبل في تعطيل كثير من المشاريع الانهزامية والاستسلامية، مما جعلها ويجعلها المحور الرئيسي في اجتماعات القمم العربية على جميع المستويات، كما أتاح تجميد عضويتها في جامعة الدول العربية في تمرير كثير من المشاريع التي أثّرت على الوطن العربي كله، وخاصة فيما يتعلق بالتقارب مع العدو الإسرائيلي.

إن اعتذار سورية عن المشاركة في القمة الأخيرة أثار الجدل الكبير لدى المحللين السياسيين الذين اعتبروا أنها قمة إن لم تكن فاشلة، فهي أقرب إلى الفشل، وقد عدّ لبنان على لسان وزير خارجيته جبران باسيل أن تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية عار تاريخي.

وكذلك تناولت الصحافة اللبنانية غياب سورية ومعظم القادة العرب، معتبرة أن القمة الاقتصادية العربية لم تحقق أهدافها، حيث كتبت صحيفة الأخبار اللبنانية في عنوانها الرئيسي “لا عرب من دون الشام”، وعنونت صحيفة الجمهورية في صفحتها الرئيسية: “قمة الاعتذارات والخيبة العربية”، وأشارت صحيفة النهار إلى القمة في أحد عناوينها: “صدمة بيروت…قمة بلا رؤساء”.

وقد ذكرت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية غياب سورية باعتذارها عن هذه القمة وسواها من القمم التي عقدت في السنوات الماضية بالقول: إن تعليق عضوية سورية من جامعة الدول العربية في تشرين الثاني 2011 كان وما يزال نقطة تحول في تاريخ الجامعة، وهي بمثابة الصدمة التي اعتبرها العديد من المحللين السياسيين خطوة تخلو من الدبلوماسية، كما أن مسألة عودة سورية لاستعادة مكانتها الطبيعية والهامة في جامعة الدول العربية ظلت نقطة الجدل والخلاف بين المؤتمرين، ولاسيما بعد انتصار الدولة السورية واستعادتها السيطرة على أغلبية المناطق التي كان الإرهابيون قد سيطروا عليها، وتُعتبر عودتها إلى جامعة الدول العربية أمراً ضرورياً وهاماً.. لماذا؟ لأن سورية باختصار من أوائل الدول المؤسسة والمنضمة إلى لواء جامعة الدول العربية وكانت قد وقعت من قبل مع الدول السبع المؤسسة للجامعة على بروتوكول الإسكندرية في عام 1944.

وأشارت الصحيفة إلى دور سورية التاريخي في منطقة الشرق الأوسط، حيث كانت ولا تزال عقبة في طريق تحقيق أهداف واشنطن العدوانية في المنطقة، وهي إلى جانب ذلك تقف في وجه الأنظمة العربية التي تتسابق لتنفيذ مصالح الإدارات الأمريكية.

وأضافت الصحيفة: لقد أدركت سورية ومنذ زمن سياسة واشنطن التي تسعى من خلالها إلى رسم علاقات دولية جديدة في منطقة الشرق الأوسط تناسب مصالحها وأهدافها، وبالتالي فإن واشنطن تتخذ من ادّعاء ضرب تنظيم “داعش” الإرهابي ذريعة لتكرار ما حصل في أفغانستان عام 2001 عندما شنت حرباً عليها بحجة القضاء على الحركات المتطرفة هناك، وهي اليوم تسعى إلى إرضاء الرأي العام العربي والغربي تحت شعار “محاربة الإرهاب” في سورية.

إن الدور التاريخي لسورية يشهد بأنها البلد الأكثر مسؤولية في إيقاظ الصحوة العربية المنشودة والحفاظ على إرساء ثوابتها، ومساهماتها في صياغة الحل العربي على مدى الحقب، وقد أثبت التاريخ أن دمشق هي المؤثر والفاعل والتي تؤدي دوراً سياسياً هاماً في حل العديد من القضايا السياسية في منطقة الشرق الأوسط.

مالا شك فيه أن عودة سورية إلى مقعدها في جامعة الدول العربية من شأنه أن يقيم توازناً جديداً في المنطقة وأن يحدث تغيراً مهماً في معادلة إدارة الصراعات، كما يعد عاملاً أساسياً في قيادة الدول نحو المسار الصحيح.

طباعة

عدد القراءات: 3