قديماً اعتبر أرسطو أن المكان مقولة منطقية ذهنية ومعنى كلياً لا تستقيم المعرفة من دونه وعمل على إدراجه في العلم المنطقي العملي الذي اعتبره أداة العلوم الأورغانون وبالطبع كان ذلك عندما موقع المقولات حيث ضمّن المكان في حيزها المعرفي الدقيق كمعطى ذهني أولي غير وجودي وهذا الأمر هو فرز دقيق له شأنه المنهجي والإبستمولوجي إلا أن البعض من الفلاسفة المتأخرين لم يدع مفهوم المكان في مستواه المعرفي المنطقي بل صعد في تناوله نحو الأنطولوجيا فالرازي مثلاً نظر إلى المكان على أنه قديم إلى جانب الزمان والنفس والهيولى أما بالنسبة لابن سينا وابن رشد فقد نقلا المفهوم إلى المجال الطبيعي..

فالمكان عند ابن سينا ليس بجسم ولا مطابق لجسم بل محيط به بمعنى أنه منطبق على نهايته انطباقاً أولياً وعند ابن رشد هو النهاية المحيطة لكونها استكمالاً للأجسام المتحركة وغاية تحريكها..

إلا أن كانط تأمل مفهوم المكان وأعطاه كامل العناية حيث اعتبره إطاراً قبْلياً ضرورياً للمعرفة وفق خاصية ذهنية للإنسان بها يتم تصور الأشياء موضوعة خارجية وحتى يقرب مفهومه وفق التمثلات البيداغوجية اعتبره إحساساً حدسياً خارجياً مقابل الزمان كإحساس داخلي وبهذا طبع تصوره لمفهوم المكان وصياغته له من حيث اعتباره له تصوراً ضرورياً قبلياً يستعمل كأساس لكل الحدوس الخارجية من حيث إنه شرط إمكان الظواهر لكن دون أن يكون رغم ذلك مفهوماً تجريبياً يشتق من تجارب خارجية كما أنه ليس مفهوماً استدلالياً أي أنه حدس خالص وليس مفهوماً فهو عنده ذلك الحدس المحيط والذي لا يحاط به عكس المفهوم الذي لا ينبغي أن يضم أي تصور.

طباعة

عدد القراءات: 1