يعد مفهوم المجال من أكثر المفاهيم إشكالية لما يحمله من غنى في الدلالة والإيحاء ولما يتصف به من تعقيد ومفارقة وبناء على ذلك تعتبر الإحاطة بالمعطيات الكافية بهذا الخصوص ضرورة منهجية حتى تتم إمكانية فهم الرموز والمؤشرات وربط الدلالات بمدلولاتها دون انزياح أو استطراد في المعنى ولعل أنجع السبل لمقاربة مفهوم المجال المنهجية الشمولية الديناميكية الانطلاق من أولية كون مفهوم المجال بؤرة تقاطعات لعدة معارف من فلسفة ورياضيات وعلم نفس وجغرافيا واقتصاد بل وأنثروبولوجيا وسوسيولوجيا دون إغفال الفن والعمارة وعلم الجمال وهذا ما يفضي إلى البعد الإشكالي العميق للمفهوم انطلاقاً من تساؤلات متمفصلة حول دلالاته العميقة والسطحية ومدى مردودية توظيفه واستعماله نظرياً وعملياً..

الفيلسوف كانط في مناقشته لهذا المفهوم انطلق من الحركة كما تصورها نيوتن ومن التصور الأقليدي الهندسي لذلك جعله في مستوى البداهة والحدسية والعفوية وهو ما مكنه منه حقله المعرفي التاريخي، على أن التصور الجديد بهذا الخصوص إذا كان قد اتفق مع كانط على أن المكان أو المجال ليس مفهوماً تجريبياً فإنه لم يقبل البداهة الكانطية وحدسيتها حيث إن الإبستمولوجيا المعاصرة كان لها بصمتها في تصور المكان وذلك إثر النظريات الجديدة في عالم الرياضيات والفيزياء سواء مع نظريتي الكوانتا والنسبية أو مع الهندسات اللاأقليدية تلك الأفكار الجديدة مكنت من إعادة سبك تصور هذا المفهوم ببنائه وصياغته مع التصورات الفلسفية الكلاسيكية وبذلك تغير التوجه نحو العلاقة بدل الماهية وبدأ الاهتمام بالأبعاد والمقادير بدل الحدس والطبيعة وبالتالي فتحت الرياضيات والفيزياء بذلك البعد النسبي للمجال وهي الخلفية المعرفية التي تحكمت في التصورات المعاصرة حول المجال على كافة الصعد العلمية وكل الأنساق الثقافية والمعرفية.

print