مرة أخرى، يشن طيران العدو الصهيوني عدواناً على الأراضي السورية، مستهدفاً محيط العاصمة دمشق، وعلى نحو خاص منطقة مطار دمشق الدولي، ويترافق كل عدوان بشائعات عن «ضرب شحنات من الأسلحة» المتوجهة إلى الجيش العربي السوري أو حزب الله.
مرة أخرى، يبرز التساؤل: ما الهدف من مثل هذا العدوان، هل تعتقد «إسرائيل» أنها قادرة على وقف وصول الأسلحة إلى الجيش العربي السوري أو حزب الله، هل يصدّق العسكريون الإسرائيليون أن مثل هذه الغارات قادرة على إحداث أي تغيير في المعادلات العسكرية القائمة على الأرض؟ الإجابة في الحالتين هي النفي القاطع، ليست فكرة رغبوية من طرفنا، لكنها شهادة العدو نفسه. فمنذ عام تقريباً، ومع اتضاح معالم النصر العسكري السوري خاصة في المنطقة الجنوبية، انهمك العدو الإسرائيلي في مناورات متتالية، هدفها، كما أعلن، التصدي للتهديدات القادمة من الشمال، فالعدو يعترف، إذاً، بتنامي قوة الجيش العربي السوري وحزب الله، ويدرك أن هاتين القوتين تشكلان مصدر التهديد الرئيس لكيانه، وأن ثماني سنوات من الحرب لم تجعل هذا التهديد يختفي أو يخبو. ماذا تريد «إسرائيل» إذاً من عدوانها المتكرر؟
إذا تأملنا خريطة معسكر العدوان، نجد الولايات المتحدة في الصدارة، تدعمها عسكرياً ولوجستياً دول «ناتو»، في حين تولت دول إقليمية تنفيذ المؤامرة، تصدرتها تركيا والسعودية وقطر، وبدرجة أقل أطراف أخرى ومن بينها دول خليجية، وخلف الجميع وقف العدو الصهيوني، ضابطاً لإيقاع المؤامرة، ومستغلاً آلته العسكرية للتدخل لمصلحة قوى العدوان من حين إلى آخر.
ما حال هذا المعسكر اليوم؟.. الولايات المتحدة تتخبط في مواجهة المدّ الروسي في المنطقة، فسعي ترامب لتحسين تنافسية الاقتصاد الأمريكي في مواجهة الصين يجعل الحرب المفتوحة كارثة اقتصادية جديدة، وفي المقابل فهو يسجّل تراجعاً على الأرض أمام الروس، أما أوروبا فغارقة في مشاكل اللاجئين، وأزماتها الاقتصادية التي بدأت بالتحول إلى احتجاجات متصاعدة لـ(السترات الصفراء) في أكثر من دولة أوروبية، وتعاني بريطانيا أزمة داخلية بسبب إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست) التي تسبب توتراً في العلاقات الأمريكية -الأوروبية، هذا التوتر الذي يهدد بالتحول إلى أزمة في ظل الخلاف بشأن الاتفاق النووي مع إيران، واحتمال لجوء الولايات المتحدة إلى تطبيق عقوبات اقتصادية على الشركات الأوروبية التي تتعامل مع إيران.
تركيا تعاني داخلياً أزمة اقتصادية أدت إلى تراجع حاد في سعر صرف الليرة أمام الدولار، وتعاني خارجياً تهديدات ناجمة عن تدخلاتها العدوانية في شؤون سورية والعراق، وبرود العلاقات مع الحليف الأمريكي الذي لا يأخذ في الحسبان، كثيراً، المصالح التركية في المنطقة. السعودية تعاني اقتصادياً بسبب تراجع أسعار النفط والتكاليف الباهظة للحرب على اليمن، كما تعاني شبه عزلة دولية بعد قضية خاشقجي.. قطر تعيش عزلة في محيطها بعد خلافها مع جاراتها، وتعيش «حرباَ» مع السعودية تبدأ من القنوات الرياضية ولا تنتهي، أما الأردن فيرزح تحت ثقل أزمة اقتصادية طاحنة، وموجة احتجاجات شعبية بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية، ما يحد اليوم من قدرته على التأثير في الأحداث السياسية في المنطقة. لقد بقيت «إسرائيل» وحيدة في مواجهة الخطر القادم من الشمال الذي اعتقدت أن ثماني سنوات من الحرب ستبعد هذا الخطر سنوات طويلة، بل لعلها أملت ذات يوم أن يصل عملاؤها إلى دمشق فيزول الخطر إلى الأبد، لكن ما قبل الحرب ليس كما بعدها، فالحليف الأمريكي، برغم تمسكه بحماية أمن «إسرائيل»، فإن اهتمامه بالمنطقة لم يعد كما السابق، فعيونه اليوم شاخصة باتجاه «أوراسيا» التي يراها ساحة النزال القادم مع روسيا والصين. و«الحلفاء العرب» الذين يفخر نتنياهو بوضعهم تحت راية «إسرائيل» لا يملكون حولاً ولا قوة، فهم بالكاد قادرون على حماية كراسيهم، وما حملات التطبيع الرسمي التي يفاخر بها نتنياهو إلا «مكاسب» معنوية وإعلامية من دون تأثير على الأرض… من ناحية أخرى، تسير «إسرائيل» نحو انتخابات عامة في نيسان القادم، ولا يبدو وضع نتنياهو مريحاً في ظل تصاعد «شعبية» اليمين الصهيوني المتطرف (العلماني والديني) مايهدد فرصه بالعودة إلى رئاسة الوزراء، أو سيضطره، في أحسن الأحوال، إلى تقديم تنازلات جذرية لليمين لتشكيل الائتلاف اللازم.
العدوان على سورية اليوم يعني جميع أطراف حلف العدوان، فهو إضافة إلى أهميته المعنوية، يمكن تجييره في الأزمات والصراعات الداخلية، لعله يحفظ لدول العدوان مكاناً على طاولة التسويات الدولية.
أكثر ما يستفز الجميع، هو طبيعة الرد السوري الذي يتميز بالثقة العالية بالنفس، من دون اللجوء إلى البهرجة الإعلامية، أو اتخاذ أي إجراءات تغير الاستراتيجية العسكرية والسياسية السورية القائمة على ركن أساس هو تحرير كامل التراب السوري من قوى العدوان وحلفائهم، خبر في صدر نشرة الأخبار، وبيان عسكري مقتضب، وإنجازات لافتة لأبطال الدفاع الجوي السوري.
عندما كنت صغيراً سألت أحدهم عن سبب صراخ الهنود الحمر في حروبهم ضد رعاة البقر في أفلام الغرب الأمريكي، فأجابني: «إن السبب هو الخوف الذي يعتمر نفوسهم، فيحاولون بالصراخ نقل الخوف إلى نفوس أعدائهم» مع ضرورة تسجيل تعاطفنا مع الهنود الحمر… وعدونا اليوم يصرخ ويصدر التقارير ويشنّ الغارات العدوانية لأنه يعيش حالة خوف، لكن خوفه لن ينتقل إلى صدورنا، فها هو الجيش العربي السوري يمضي من نصر إلى نصر، وعند اكتمال النصر تأتي ساعة الحساب، وإن غداً لناظره قريب.

*كاتب من الأردن

print