كشفت آن غاريزون الحائزة جائزة دولية صحفية في تحقيق نشرته قبل أسبوع في موقع مجلة «كونسورتيوم» الإلكترونية (10-1-2019) أعدته عن راوندا ومذبحة الهوتو والتوتسي (1994) أن ما جرى وما نتج عنه في تلك الأحداث وقع بسبب تنافس بريطانيا والولايات المتحدة من جهة، وفرنسا من جهة أخرى، على المستعمرات الإفريقية من جديد.. وتحت عنوان (حرية مساواة – وإمبريالية – بدلاً من إخاء) وهو شعار الثورة الفرنسية، سلمت فرنسا بسيطرة بريطانيا والولايات المتحدة في راوندا، وتبين للكاتبة غاريزون أن «بريطانيا والولايات المتحدة استغلتا أحداث راوندا وعززتا قدرة (بول كاغيم) على إنهاء النفوذ الفرنسي من راوندا وفرض اللغة الإنكليزية بدلاً من الفرنسية لغة أساسية رسمية برغم اتهامه بالمشاركة في مذبحة قبيلة الهوتو ومسؤوليته عن تفجير طائرة رئيس راوندا وبرفقته رئيس بوروندي وتمدده نحو زائير المستعمرة التاريخية لفرنسا».
وترى غاريزون أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في ذلك الوقت، استغل بروباغاندا التهويل الإعلامي بشأن المذبحة التي ارتكبت بحق الهوتو والقول إنها ارتكبت خلال مئة يوم وتم فيها قتل مليون من الهوتو، في حين أنها جرت خلال أربع سنوات وبريطانيا والولايات المتحدة أغلقتا ملف أحداثها مع الرئيس كاغيم لبسط سيطرته وإنهاء نفوذ فرنسا منها ثم استغلال ما جرى للإعلان بأن الولايات المتحدة ودول حلف الأطلسي «يلومون أنفسهم» لأنهم لم يتدخلوا عسكرياً منذ البداية لمنع هذه المذبحة، وتعهدوا بالإسراع بعد هذا الخطأ في التدخل العسكري في أي دولة تقع فيها أحداث حرب داخلية بين إثنيات أو طوائف، وهذا ما سوغوه لأنفسهم بموجب ما تكشفه غاريزون حين تدخلوا عسكرياً ضد الصومال وليبيا وسورية والعراق، بذريعة وجود ما سموه «حرب داخلية أو أهلية» من دون أن يكترثوا بالمذابح التي ارتكبتها المجموعات الإرهابية من تنظيمات «القاعدة» و«النصرة» و«داعش» في هذه الدول وغيرها. وهذه الحقيقة، بدت واضحة منذ البداية حين ركزت قوى التدخل العسكري الخارجي الأمريكية والأوروبية وحلفاؤها على اتهام الجيش العربي السوري زوراً وبهتاناً «باستخدام» السلاح الكيماوي في أكثر من مناسبة «لاستباحة» سورية واقتسامها بين هذه القوى الإمبريالية الأمريكية والبريطانية والفرنسية والتركية.. وربما وجدت فرنسا أنها قد تعوض خسارة عدد من مستعمراتها في إفريقيا في التسعينيات فاتجهت إلى التنافس مع واشنطن ولندن على النفوذ في سورية والعراق منذ عام 2011 .. ولعل هذا التنافس على النفوذ بين الاستعماريين هو ما ستشهده ساحات دول العالم الثالث في هذا العام تماماً بعد خروج بريطانيا رسمياً في آذار المقبل من عضوية الاتحاد الأوروبي، ففرنسا بدأت تواجه منافسة من الحلفاء البريطانيين والأمريكيين على قواعدها العسكرية، وهاهو وزير الدفاع البريطاني غافين ويليامسون يعلن في مجلة «صنداي تيلغراف» البريطانية أنه أعد خططاً لبناء قاعدتين عسكريتين خلال السنتين المقبلتين في جنوب شرق آسيا والكاريبي.. وفي المقابل تحاول فرنسا بعث حياة جديدة في دول (الفرانكوفون) التي تستند إلى اللغة الفرنسية كلغة أساسية ثانية لمنعها من التحول إلى الإنكليزية.. ويكشف «المعهد السويسري لأبحاث السلام والطاقة» أن لكل من فرنسا وبريطانيا 11 قاعدة عسكرية في العالم، وهي كل ما بقي لهما بعد أن تمكنت الولايات المتحدة من تعبئة الفراغ في معظم مستعمراتهما منذ خمسينيات القرن الماضي.. لفرنسا وجود عسكري في كل من السنغال، وموريتانيا، ومالي، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، والنيجر، وتشاد، وإفريقيا الوسطى، والغابون.. وجيبوتي التي لم تعد فرنسا وحدها فيها بعد أن أنشأت بريطانيا والولايات المتحدة وغيرهما قواعد فيها، مثل اليابان التي لا يوجد لها أي قاعدة عسكرية إلا هذه القاعدة خارج أراضيها ثم انضمت السعودية وأنشأت فيها قاعدة أيضاً.
ولذلك، لم تعد فرنسا قادرة على فرض كل مصالحها حتى في مستعمرات كانت تاريخياً لها في أفريقيا، بينما أصبحت الصين والولايات المتحدة تتنافسان على النفوذ والمصالح السياسية والاقتصادية فيها.. وفرنسا التي سلخت عن سورية لواء اسكندرون ومنحته لتركيا عام 1939 أثناء استعمارها سورية تحاول الآن العودة إلى دورها الاستعماري نفسه بإعلان أنها ستدعم مكونات معينة في شمال سورية بعد قرار ترامب سحب قواته والتخلي عن مشروعه العدواني من دون أن تدرك أن زمن التدخل العسكري الفرنسي ضد الدول العربية انتهى، ولن يقدم لمطامعها الاستعمارية أي مصلحة، بعد أن فقدت معظم مستعمراتها ونفوذها في البلدان العربية في شمال أفريقيا.. أما بريطانيا، فلن تسمح لها بأي فتات مما تطمح في الحصول عليه تحت الحماية الأمريكية من بقايا النفوذ.. وبريطانيا لم يعد لها سوى 11 قاعدة عسكرية بعد أن كانت تحتل بقواعدها نصف العالم في بداية القرن العشرين.

print