للتطرف الديني حيثيات مركّبة.. هو ليس نصوصاً فقط .. من يستدعي نصوصاً متطرّفة هو المتلقّي نفسه.. ليس المتلقي حالة سلبية أو مجرد صنيعة شروط ما، بل هو جزء فاعل في هذا التركيب.. وفي النهاية يصبح المتلقّي كلاقط هوائي مصمّم لاستقبال موجات التّطرّف.. في البدء كان المتطرف والظروف التي صنعته، ثم تأتي النّصوص كمحفّز(catalyseur).. ففي كل المجتمعات وفي كل الثقافات توجد نصوص وتقاليد تحفّز على التطرف والعنف، ودائماً يوجد لها نقيض في بنية الثقافات لأنه لا توجد ثقافة تخلو من نقيض.. فما أنتجه الإنسان من مفاهيم حتى في الحقل الديني هو منتوج بشري، وكل ما كان بشرياً من عند غير الله ستجد فيه اختلافاً كثيراً.. وهكذا نجد بين أيدي النّاس ثقافة من وجهين: وجه يحفز للتسامح ووجه يحفز للعنف، والذي يتحكم في عملية التلقّي والاستجابة هو المتلقّي نفسه لأنه من يختار.. وهكذا لو بقينا قروناً نتحدث عن نصوص عنيفة ونصفُّها صفّاً فلن يغير ذلك من الأمر شيئاً.. فالذات التي تشرّبت التطرف والعنف لأسباب شتّى ستلتقط ما يناسبها وما يغذّي العُصاب المزمن فيها، فما العمل؟ بين الإنسان والنّصوص مسافة يجب ملؤها بأدوات تحليل وتأويل النّص.. فالمشكلة ليست في النصوص بل في آلية التفسير والفهم.. وليس التأويل كالتفسير.. ومن مقتضيات التأويل القبض على فلسفة النّص الديني وربطها بالفكرة الحضارية وروح الدّين.. ليس الفهم الديني عملية فوضوية بل هو مسألة منهجية تقوم على أنموذج.. فمن التعاليم ذاتها تنشأ نماذج في الفهم الديني مختلفة.. فكل نموذج يستدعي نسقاً ما وكأنّه دين جديد.
ينبغي ألا تخيفنا النّصوص، بل حتى المفاهيم الدينية على اختلاف مناحيها يجب وضعها في سياقها التّاريخي وشروطها الاجتماعية..المشكلة تكمن في أنّنا لا نجتهد، وإذا اجتهدنا فعلنا ذلك في إطار المباني نفسها، وإزاء تلك المباني إمّا ننغمس فيها كلّيا وإما نشطّ عنها رأسا، ونستند في تدبير النزاع إلى الانفعال بعيداً عن اختبار المزاعم في ضوء العلم.
نعود لأصل الإشكال ونتساءل: هل المتطرف فعلاً أصوليّ مرتبط بنصوص، أم إنّه منقدح من غريزة تستنفر النّصوص المناسبة وتلتقط قاسي النصوص وأقصاها؟
ليس المتطرّف صاحب نصّ بل هو يأخذ بأكثر التأويلات التي تشكّل أقراصاً مهلوسة لذات لم يتحقق فيها شرط الفهم الموضوعي للنصوص، أي التقوى، باعتبارها موقفاً أخلاقياً ليس تجاه الآخر فحسب، وتجاه النفس فحسب، بل تجاه الحقيقة ومقدماتها المنطقية أيضاً، مثلاً:«ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين» فمن لا يتّقي الله في المقدمات المنطقية للفهم الصحيح لن يفهم الكتاب.. فليست عملية الفهم الديني أقلّ تطلّباً من أي فهم آخر، فالنّص، أيّاً كان هو ظاهرة موضوعية تعرض على الفهم، والفهم ليس عملية سهلة بل هو مسار كامل من التّشكّلات التي تؤدي فيها الشروط النفسية والاجتماعية والثقافية دوراً حاسماً.. إنّ البيئة التي تنشأ فيها ثقافة الاستهتار بالآخر ولا تتوافر على تقاليد تربوية تهذّب النزعات الوحشية والأنانية للكائن، ستبحث، في كل دين، وفي كل مذهب، وفي كل فلسفة، وفي كل نحلة، عمّا يعزز ميولها المسبقة إلى التّطرّف.. إن النّقاش العمومي المفقود يوفر فرصة تقليم أظافر كل تأويل هشّ وكلّ ميل وحشي، لأنّ النقاش العمومي يصدر ويكرس في الوقت ذاته القيم الحضارية والتقاليد الديمقراطية التي تجعل الإنسان سيد اختياراته الواعية والحاسم النهائي في عملية الفهم المعقدة.. فالفهم حين يتعلق بالمشترك يقتضي شكلاً من التعاقد العقلائي أو العُرفي الذي يؤمّن العلاقة الخلاّقة بين الفهم والتّعايش، فالمتلقّي في نهاية المطاف هو شريك في إنجاز المعنى، بل شريك في اختيار النّصوص.. هذه النصوص في نهاية المطاف يجب أن تُقرأ في شروط المجتمع لا في ظروف الجماعة وأهدافها.. فأي نصّ يُفهم خارج مقتضياته وفلسفته ومقاصده الاجتماعية والتاريخية هو فهم منتحر يستدعي انتحاريين..!!

*كاتب من المغرب

print