غريبٌ أمر بعض المعنيين في جهاتنا الخدمية كأنّ هناك «عكفة» في طريقة تفكيرهم وإدارتهم للأزمات وحاجات الناس… فكلما أمّنوا لنا جرّتي غاز أو «شويّة» كهرباء أو خمسين ليتر مازوت أو علبتي حليب أطفال يجب علينا، في رأيهم، أن «ندبكَ» حتى الصباح المباح ونقيمَ الأفراح والليالي المِلاح… وكلّما زفّتوا عيشتنا.. عفواً زفّتوا طريقاً ما أو ردموا حفرةً تسببت بمئات الحوادث يجب أن نملأ الدنيا بالأهازيج، وإنْ قام أحد المعنيين بالمطلوبِ منه وجَبَ على الصحافة أن «تطرش» صفحات «الجرائد» و«الفيس بوك» ومواقع التواصل الاجتماعي بصور المسؤول الضاحك وهو يرفع إشارات الفرح وحوله العمّال الكادحون والفلاحون المبتهجون يبدون في الصور مثل الطلاب حول أستاذهم يومَ استلامهم «المرحات» وتيجان الكرتون الملوّنة بدل أن يرفع المعنيّون التحيّاتِ والتعويضات والرواتب وبدلات استشفاء أولئك المخلصين لا أن يرفعوا لهم الضغط والسكّري!.
وتلك «العكفة» ليست عن جهلٍ أو قلّة خبرة وعدم معرفة، فقد أسرَّ لي أحد المخترعين السوريين المنسيين تحت ركام الإهمال وباحَ بالمرارة في قلبه: «نحنُ لا نعاني من انخفاض مستوى ذكاء بعض المسؤولين بل على العكس من شدّة دهائهم واتساع حيلهم التي يوظّفونها في «الدهلزة» وإفشال المبدع وصناعة الفِخاخ له»!.
ربما لذلك ننجح كأفراد ونخسر كمؤسسات، نتألّق في أحلامنا وخيالاتنا كمبدعين محلّقين في سماوات الفخر بكوننا سوريين ونتحوّل على أرض الواقع اليوميّ المعيش إلى باحثين عن أقلّ القليل لاهثينَ خلف سعادةٍ وهميّة اسمها: أن نبقى على قيد الحياة.
رحمك الله يا محمود درويش وأنت تقول: «نحبُّ الحياةَ إذا ما استطعنا إليها سبيلا» و«يا أيها المستحيلُ يسمُّونكَ الشام» و«في دِمَشْقَ يغني المسافر في سرِّه: لا أَعودُ من الشام حيّاً ولا ميتاً.. بل سحاباً يخفِّفُ عبءَ الفراشة عن روحِيَ الشاردة»… فهل مَنْ يسمع؟!.

طباعة

عدد القراءات: 2