عندما يُذكر اسم الفنان التشكيلي عبد المنّان شمّا (مواليد حمص 1937)؛ فلابد سيتبادر لذهن المُتابع للمشهد التشكيلي السوري أكثر من إشارة تؤكد على ريادة هذا الفنان على أكثر من مستوى كان له فيه حيازة قصب السبق، إضافة إلى ملامح فنية وقيمٍ جمالية ميزت تجربته الفنية التي بلغت اليوم عتيّاً من سنين الخبرة والممارسة الفنية، وكان لها صياغاتها الجمالية التي تدلُّ عليها كلما ذكر اسم هذا الفنان.
تحية من أربعة وأربعين
ومناسبة هذا التمهيد عن الفنان عبد المنّان شمّا؛ هو احتفاء «أيام التشكيل» الفعالية التي أقامتها وزارة الثقافة السورية – على حين استفاقة لأول مرة- وكان من محاورها الاحتفاء بتجربة الفنان شمّا التي تمثلت بتحية أكثر من أربعين فناناً تشكيلياً له من خلال المعرض الذي أقيم لأجل هذه الغاية وضمّ أعمالاً احتفى كل فنان بطريقته بالفنان شمّا إضافة إلى ندوة تمّت خلالها قراءة أعماله، وكذلك تخصيص ركن في المعرض المذكور لعرض لوحات بما يُشبه معرضاً استعادياً لأعمال الفنان شمّا، حيث عرضت له اللوحات التي كان قد أنجزها خلال أعوام مختلفة منذ بداية التجربة وحتى ما قبل سنين الحرب على سوريّة.
وبالعودة لما مهّدنا له في هذا المقال، نذكر أن الفنان عبد المنّان شما كان أول ما تلمس القيم الجمالية في اللوحة على يد أستاذه صبحي شعيب في مدينة حمص، وهو لا يكل عن التذكير به فهو أول من وضعه على سكة الفن، لكنه سيُخالف أستاذه كثيراً في اتجاهه الفني الذي ذهب صوب الواقعية الصرفة، برغم أنّ الفنان شمّا اطلع من خلال زياراته الكثيرة لمختلف متاحف وأكاديميات الفنون في العالم على الاتجاهات والمدارس والمذاهب الفنية كلها من دون استثناء وحتى من خلال تجربته في تدريس الفن في الكثير من المعاهد وكلية الفنون الجميلة في دمشق.
بعيداً في الواقعية
فلم تغرِ الفنان شما تلك التيارات التي ذهبت باللوحة في مناحي التجريد على سبيل المثال، أو حالات الغموض والمواربة في اللوحة، لكن ليس معنى ذلك أن لوحة هذا الفنان جاءت تسجيلية، وإنما تلك اللوحة التي احتفت طويلاً بالأماكن الحميمية من المدن السورية العتيقة، ولاسيما حمص حيث مولده، والشام حيث مكان الإقامة والعمل، تلك اللوحة العامرة بحياة الناس من مقاهٍ وأحياء شعبية وعمارة عتيقة و«بورتريهات» بأسلوب لطالما وصف بأنه يجمع بين التقاليد الكلاسيكية والفولكلورية.. فقد استفاد كثيراً من المخزون البصري الذي شكّل كنزاً بصرياً لا ينضب لإغناء لوحته بداية من قباب البيوت الطينية في ريف حلب وحتى العمارة الدمشقية.
بعيداً عن برودة موسكو
عبد المنّان شما الذي ستتوفر له الظروف ليكون صاحب أول درجة دكتوراه في فلسفة علوم الفن في سوريّة يحصل عليها فنان سوري من جامعات موسكو، العاصمة الروسية، يوم كانت سوفييتية حينها سنة 1971، في موسكو حيث سيتعلم شمّا شكلاً فنياً لطالما وسم تجربته التشكيلية الطويلة وهو الرسم الجداري، ولاتزال معالم هذه التجربة ماثلة على جدران الكثير من الصروح السورية، ولاسيما لوحاته الجدارية التي تُزيّن كلاً من قصري «تشرين» و«الشعب» الجمهوريين، والجدير الإشارة إليه تشييده بانوراما حرب تشرين التحريرية وضريح الجندي المجهول على سفح قاسيون، كما تُزيّن لوحاته القصر الجمهوري في «روسيا»، ولابد هنا من أن نذكر أن الفنان شمّا أول من أنجز لوحة جدارية في سورية وكان ذلك سنة 1972، وأبعادها كانت (5م عرض\8م طول) اللوحة الجدارية التي كانت إحدى المعالم الجمالية في دورات معرض دمشق الدولي على ضفة نهر بردى..
بعيداً في الهوية السورية
بمعنى كانت صياغة هذا الفنان للوحته من إصراره على هوية سورية في عمارته الجمالية، لوحة لها مراجعها الشرقية من تزيينات فلكلورية ورموز تراثية تمثلت بالأزياء والعمارة القديمة والقباب، والأبواب، والمقاهي التي يُنجزها بتعبيريته الخاصة لكن ضمن حدود الواقعية الكلاسيكية، الواقعية التي تحتفي بالضوء واللون اللذين أكثر ما يتجليان في لوحته، هنا حيث لكل لوحة قصة كما يقول:«فلسفتي بالفن هي نقل الواقع، لكن ليس كصورة فوتوغرافية؛ فالفن هو تحريض الذات للتعبير بحرية عن مكنوناتها، كما أنه نتاج إبداعي يترجم صوراً وأحاسيس يجسدها الفنان في أعماله بكل صدق، لذلك أنا دائم البحث في خيالي وفي البيئة المحيطة التي أنتمي إليها، لأقوم بعملية التعبير الفني بحرية وصدق عما يدور حولي من أحداث».. لوحات كانت لها بواعثها الجمالية من البساتين على أطراف مدينة حمص، أو من أرياف حلب، أو مقاهي الشام، هي صياغات فنية لمشاهدات العين التي تُعيدها المُخيلة من مخزون الذاكرة بعد أن تكون قد منحتها الحالة «النستالجية» فيصير للون مغزى، وغاية ضمن إحساس عارم بالضوء، ويصير للخط رسالة، هنا لكل مكوّن في اللوحة مهامه الجمالية لبناء اللوحة وعمارتها الجمالية.. وهو ما وصفه به الفنان التشكيلي الراحل فاتح المُدرس:«أجده مثالاً لوضوح الرؤية الفنية».. هذه التجربة التي يصفها الناقد التشكيلي سعد القاسم بأنها واقعية تُكرّم الجمال المولود في البيئة المحلية، فهو أمين إلى أقصى حدود الأمانة للتيار الواقعي، ويجده خصماً لكل تيارات «اللاشكل واللاصورة»، وفي رأي القاسم هذا مهم جداً في منطقة مثل سوريّة حيث لايزال الفن التشكيلي يحبو برغم أن عمر الحركة التشكيلية في سوريّة، بشكلها المُعاصر، ما يُقارب مئة سنة.

print