يبدو أن الإدارة الأمريكية قد غرقت في فوضى التصريحات والمواقف، وبعد أن كانت الإدارات الأمريكية السابقة تعمل على نشر «الفوضى الخلاقة» وتعتمدها كاستراتيجية لتفكيك الدول لإعادة تركيبها وفق مزاج البيت الأبيض باتت هذه الفوضى غير الخلاقة تنهش الحكومة الأمريكية التي تعيش أسوأ حالة إغلاق حكومي وحالة فقدان الانسجام بين الكونغرس والرئيس، وكذلك بين مكونات الإدارة التي كثرت فيها الاستقالات، والانتقادات والتباينات في المواقف والتصريحات.. وما يثير الاستغراب ما صرح به وزير الخارجية بومبيو في القاهرة حول الفوضى التي تنتشر بعد كل انسحاب أمريكي ذلك لأن بومبيو ذاته يعلم قبل انتقاله من الاستخبارات إلى الخارجية الأمريكية بأن أي تدخل عسكري أو سياسي في شؤون الدول لا يهدف إلى نشر السلام والاستقرار بقدر ما يهدف إلى نشر الفوضى سواء أبقي ذلك التدخل أم انحسر …وما الفوضى التي نراها في أفغانستان واليمن وفي الشرق الأوسط عموماً إلا نتيجة لانغماس الأصابع الأمريكية في إذكاء الصراعات والتنصل من الاتفاقيات والوعود والتخلي عن الأصدقاء والحلفاء ونهب الخيرات وتصدير السلاح والأزمات وتفتيت منظومات الأمن الإقليمي.. وفي هذا السياق أيضاً أعلن بومبيو عن اجتماع في بولندا في النصف الأول من الشهر القادم لبحث الأوضاع في إيران والمنطقة، ربما لتسويق التهم الباطلة الموجهة لإيران وتحميلها زوراً مسؤولية انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، والتعويض عن فشل الإرهاب الوهابي «القاعدي – الداعشي» الذي وظفته أمريكا وشاركته لقتل شعوب المنطقة.
إن سيطرة إرهابيي «جبهة النصرة» على أجزاء واسعة من إدلب، والاعتداءات الإسرائيلية المتلاحقة على سورية، وبقاء «داعش» في جيوبٍ تحت أجنحة الوجود الأمريكي الاحتلالي في التنف وفي شرق الفرات هي مجرد أدوات للفوضى التي تريد أمريكا إذكاءها بالتزامن مع الانسحاب الذي أعلنت عنه وأطلقت عليه توصيفات تختلف من يوم لآخر، ومن مسؤول أمريكي لآخر، لكن وبغض النظر عن التصريحات والنيات الأمريكية نقول إن الجيش العربي السوري الذي وضع حداً للإرهاب واجتثه من مئات المدن والبلدات والقرى والمواقع سيضع حداً للفوضى التي حاولت أمريكا نشرها طوال سنوات الأزمة الثماني الماضية.. ونقول أيضاً إن أمريكا العاجزة الآن عن إنهاء «فوضى الإغلاق الحكومي لديها» والعاجزة عن إنهاء فوضى التصريحات لن تقود المجتمعين في بولندا لاحقاً إلا لمعاداة من يحارب الإرهاب والفوضى معاً.

print