يتكوّن جسم الإنسان من أجهزة وأعضاء كثيرة، كلُّ جزء منها يقوم بوظيفة خاصة به، وتتعاون الأعضاء فيما بينها للقيام بمظهر من مظاهر الحياة ليبقى الإنسان حياً.. اللافت أنّه، وفي دراسة بيولوجية للأنشطة التي تجري في الخلية، لوحظ أنها تمرّ في عدة أطوار، ولا تنقسم إنْ لم تتلق (إشارة السماح)، ففي جسم الإنسان «بروتين» يثبّط انقسام الخلية في حال لم تؤدِ دورها الوظيفي، وعند حدوث خلل غير قابل للإصلاح يدفعها للاستموات مادامت عرضة للتحول إلى خلية سرطانية، ولا يقتصر عمل هذا البروتين على المراقبة فقط، بل يمكن استخدامه علاجاً بروتينياً أو جينياً للأورام الصلبة.
جسم الدولة لا يختلف كثيراً عن جسم الإنسان، وطبيعة الجسد البشري في تحقيق مظاهر الحياة، لذا يجب أن تتشبه به مؤسسات الدولة لكي تحقق دورة ديناميكية تنشد الحياة الصحية لكل أعضاء الجسد الوطني للشعب السوري، ويجب أن تسعى، لا بل أن تجتهد مؤسساتها بخلاياها وأنسجتها للنهوض ومكافحة أي أعراض سريرية يمكن أن تخلق حالة غير صحية ولا تليق بمستوى الإنجازات العسكرية والسياسية التي حققتها القيادة والمؤسسة العسكرية، بالتعاضد مع صمود الشعب…
إن الدولة السورية التي انتصرت على الإرهاب، وأبدت ممانعة استثنائية لكل التدخّلات الخارجية، هي دولة صاحبة سيادة، وقد حقّقت الحضور الأهم عالمياً، وغيّرت في موازين القوى العالمية والإقليمية، ولابد من أنها قادرة على تحقيق (الحالة الصحية) الداخلية.
إصلاحات السيد الرئيس بشار الأسد لم تتوقف، وتوجيهاته وقراراته دائماً كانت بمنزلة دراسة توصيفية تشرح واقع الحال، وتحدد الأهداف، وتملي التعليمات لتحقيق الخطط والإنجازات.
وقد اعتمد انطلاق المشروع الوطني للإصلاح الإداري على عدّة محاور، أهمها (القياس- الهيكلية الإدارية والوظيفية- قياس الأنظمة الداخلية والتوصيف الوظيفي ومكافحة الفساد)، فمن دون القياس لا نستطيع تقييم أداء المؤسسات في نقاط ضعفها وقوتها، ومن ثم يمكن العمل على تلافي نقاط الضعف وتمكين نقاط القوة، وقد جاء المشروع الوطني للإصلاح الإداري في ظروف استثنائية وسورية تعاني ويلات الحرب عليها، وتحصد أولى ثمرات النصر ليكون المشروع النواة الأساسية لبناء سورية ما بعد الحرب.
لذلك كان المشروع برنامج عمل، وعلى المؤسسات أن تعي المنهجية والرؤية السياسية للرئيس الأسد لإعادة بناء مؤسساتنا تمهيداً لإعادة الإعمار، وقد مضت المدة الزمنية لتحقيق المشروع (نهاية 2018)، والنواة الأساسية تحتاج تفعيلاً بعد بناء الهيكلية الإدارية للجهات الحكومية في الإطار الصحيح، واستنهاض قدرات كلّ موظّف لديه رؤية متميزة لتطوير مؤسساتنا، وتنظيم الجهود التي ستفضي بالتأكيد لنتائج فعّالة مادامت الآلة الإدارية تعمل بصمت، وبطاقة قصوى، وبمؤشرات أداء تكون العنوان الأساس لمكافحة أي خلل إداري، وتكون بمنزلة (البروتين) في جسم الإنسان الذي يراقب عملية الانتقال النوعي، التي ينشدها الجسد السوري، من خلال دورة خلويّة تلفظ كل خلية لا تحقّق دورها الوظيفي، علماً أنه أجدر بها الاعتراف بـ«قلّة حيلتها»، وعدم قدرتها على محاكاة الرؤية التطويرية لسورية المستقبل، وتطبيق المصطلح الطبي (الاستموات)، ومن ثم الانسحاب الذاتي، مادامت نتائج تلك الخلية الإدارية عانت خللاً غير عكوس لا يمكن إصلاحه، ويمكن أن يؤدي لحدوث أورام سرطانية.
استموات الخلايا في الجسد البشري حالة صحية، يجب أن يقابلها استموات الخلايا الفاسدة في جسد دولة قوية البنية كسورية.

m.albairak@gmail.com

print