بمناسبة حلول العام الجديد تطرح مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية في عددها المقبل الشهري (كانون الثاني وشباط 2019) السؤالين الآتيين عنواناً لاستطلاع فكري سياسي: هل تمتلك أمريكا الاستراتيجية الخطأ تجاه الشرق الأوسط؟ وهل هي مدعوة لتنهي «محاولاتها لحل قضايا المنطقة»؟ طرحتهما على /32/ خبيراً ينتمون الى عدد من المؤسسات البحثية والسياسية مثل (مجلس العلاقات الأمريكية، معهد برود كنجز، مؤسسة راند، ومدرسة لندن للاقتصاد وهارفارد). وكانت نتائج الاستطلاع على النحو الآتي: وافق اثنان، ووافق بشدة أحد عشر، ولم يوافق عشرة خبراء، بينما لم يوافق بشدة ستة، وكان هناك اثنان على الحياد.
-والآن، لنقف على آراء المعارضين لإنهاء الدور الأمريكي في المنطقة، هؤلاء أكدوا «أهمية استمرار الدور الأمريكي من أجل حماية الأمن القومي للولايات المتحدة من أخطار الإرهاب، والدفاع عن المصالح الأمريكية النفطية في المنطقة، والحرص على قيم الحرية وحقوق الإنسان». وعد قسم منهم، أنه «لا يمكن أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية لاعباً متفرجاً في منطقة أوجدت فيها واقعاً مريراً، يحتم عليها القيام بوضع استراتيجية لحل المشكلات التي أوجدتها». وذهب بعض هؤلاء المعارضين لإنهاء الدور الأمريكي في المنطقة، إلى «أن المنطقة تشكل مجالاً حيوياً للمصالح الأمريكية المتنوعة، وبخاصة الدفاع عن إسرائيل وحمايتها، وأنه في استطاعتها إيجاد حلول لبعض المشكلات على أقل تقدير، ولاسيما منها التي تعد أساسية لمصالحها، كما في إمكانها الإسهام في دعم مشاريع الإصلاح والتنمية لأنها القوة الرئيسة الدولية في هذا المجال، مع ضرورة ألا تنطلق من مبدأ الأنانية الفردية الأمريكية».
– الآن، ما الآراء الموافقة على إنهاء الدور الأمريكي، وما منطلقاتها؟ انطلقت هذه الآراء من الإخفاق التام لتجارب الولايات المتحدة وتدخلاتها في شؤون بعض دول المنطقة التي أصبحت أكثر سوءاً وتعقيداً، كما فشلت في حل المشكلات العميقة والأزمات المتتالية في المنطقة، لأنها انطلقت في محاولات حل هذه المشكلات، من دوافع سياسية خاصة ومصالح اقتصادية وإيديولوجية مغرضة. وذهب بعضهم الى القول إنه ليس بالضرورة أن تكون حلول المشكلات في المنطقة حلولاً أمريكية محضاً، إلا إذا اعتمدت استراتيجية ذات أولويات واضحة ومصالح متبادلة ومعايير متوازنة وبعيدة عن الازدواجية، وأن تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، أن مصالحها في المنطقة تتطلب الاستقرار والدعم الاقتصادي والمساهمة في عمليات التنمية.. أما المحايدون، فكانت وجهة نظرهم أن انغماس الولايات المتحدة الأمريكية في قضاياها السياسية والاقتصادية والعسكرية يحول دون تمكنها من انتهاج سياسة موضوعية وناجحة لحل مشكلات المنطقة والمشكلات العالمية بشكل عام.
وينتهي هذا الاستطلاع الفكري السياسي إلى القول: إن الولايات المتحدة يمكن أن تكون عاملاً قوياً ومؤثراً في إيجاد حلول لقضايا المنطقة، إذا ما انطلقت من مؤشرات ثلاثة:
أولها: تغيير سياساتها وأساليب تفكيرها في التعامل مع مختلف دول المنطقة، إذ إن سجلها مثقل بمسائل ناتجة عن تدخلاتها غير المدروسة والمتحيزة.
والثاني: تبديل المساعي والممارسات والسلوكيات الدبلوماسية لتكون ذات مصداقية وفعالية، إذ إن أساليبها التي تركزت على استخدام القوة، وغزو الدول تحت ذرائع واهية، قد فشلت، وجعلت الكثير من الدول معاديةً لها.
والثالث: تغيير نهج التعامل مع مختلف دول المنطقة على قاعدة الاعتدال والاحترام والمصالح المشتركة والابتعاد عن الهيمنة على هذه الدول، سواء كانت هيمنة عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، وتجنب السياسات التي تزيد الوضع في المنطقة اضطراباً وسوءاً وتعقيداً.
ومن خلال آراء هؤلاء الخبراء، المعارضين، والمؤيدين، والمحايدين، يتضح أنهم جميعاً وبشكل إجمالي، منحازون لسياسة الولايات المتحدة، ولو أن بعضهم يرى أن هذه السياسة بحاجة الى شيء من تصويب مساراتها لتخدم أكثر فأكثر المصالح الأمريكية أولاً وقبل كل شيء، أما ما جاء في سياق آراء بعضهم، بأن الدعوة الى إنهاء الدور الأمريكي في المنطقة من شأنها أن تؤدي إلى «الانتقاص من حقوق الإنسان وتقييد الحريات في دول المنطقة»، فهي ادعاءات شكلية، وحتى غير صحيحة، وهي كما وصفها البعض «تحلية للدواء المر».
والسؤال الجوهري هو الآتي: هل تستطيع بعض دول المنطقة نفسها أن تعيد النظر في علاقاتها مع الولايات المتحدة، على أن تقوم على ميزان المصالح المشتركة والتعاون البناء والاحترام المتبادل، ولاسيما أن أغلبية هذه الدول تتمتع بمقومات وميزات جيوسياسية واقتصادية تؤهلها لأن تكون على قدم المساواة مع الولايات المتحدة؟
الإجابة عن هذا السؤال تخص الدول المعنية به.

print