إذا كان الشهداء قد رحلوا بأجسادهم، فإن الأسرى قد غيبوا في السجون الصهيونية، وهم في الوعي الجمعي الفلسطيني، ليسوا مجرد أبناء الوطن المغيبين بفعل السجن والسجان فحسب، بل هم أبطال ناضلوا وضحوا، وأفنوا زهرات شبابهم خلف قضبان السجون، من أجل فلسطين ومقدساتها، وهم أيقونات الحرية، الذين ينتظر شعبنا حريتهم على أحر من الجمر.
يرتبط تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الصراع الطويل مع العدو الصهيوني الذي اغتصب فلسطين عام 1948، والذي نتج عنه تهجير ثلثي شعبنا الفلسطيني من أرضه بعملية تطهير عرقي منظم.
ورغم ما تكبده شعبنا الفلسطيني بشرائحه المختلفة من ويلات السجون والاعتقال، إلا أن تاريخ الحركة الوطنية الأسيرة كان وما زال عاملاً مؤثراً في تاريخ النضال الفلسطيني المعاصر وتصديه للعدو الصهيوني وقوى الظلم والشر التي تآمرت على فلسطين وشعبنا.
فمنذ أيام خلت اتخذ ما يسمى وزير الأمن العام «الصهيوني» في الحكومة الصهيونية «جلعاد أردان» خلال مؤتمر صحفي عقده في القدس المحتلة سلسلة من الخطوات العقابية ضد أسرانا البواسل في السجون الصهيونية كفصل أسرى فصيلين فلسطينيين معينين وتفكيك الأقسام وإلغاء الاستقلالية الممنوحة لهم، وإعادة وضعهم في أقسام موحدة. كما تقرر إلغاء مهمة المتحدث باسم الأقسام، وإلغاء الطهو، وتخفيض مبلغ الكنتينة للأسرى، وإلغاء جميع ودائع أموال السلطة الفلسطينية لهم بشكل نهائي، وبحسب الإعلام الصهيوني لصحيفة «يديعوت أحرونوت» قال أردان: «يجب خلق حالة من الردع ومحاربة الإرهاب، وهذا يجب أن يستمر داخل السجون أيضاً، على حد زعمه، وأضاف: سنقلّص الأموال التي تدخل من قِبل أهالي الأسرى من 1200 شيكل إلى 600 بالحد الأعلى، كما سنمنع تحضير الطعام داخل الأقسام والغرف، وسنسحب كافة الأجهزة الكهربائية المستخدمة لذلك».

ظروف مأسوية
سبعة آلاف معتقل من أسرانا البواسل في السجون الصهيونية بينهم نساء وشيوخ يتجرعون مرارة السجن والسجان في المعتقلات وكثير منهم محكومون بالسجن المؤبد والبعض مسجونون وغيبوا في غياهب السجون منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً، وهذه المعركة داخل المعتقلات الصهيونية محورها الأساس هو تحسين لو بالقدر اليسير ظروف الاعتقال القاسية التي تهدف إلى اغتيالهم بطريقة الموت البطيء فمن لم تقتله رصاصة البندقية يقتله السجان بفرضه عليهم الاكتظاظ الشديد والظروف الحياتية التي لا يتحملها بشر، عداكم عن رداءة التغذية وسوء العلاج وندرته، ومنع إدخال الكتب، ومنع سماع البرامج في الإذاعات سوى الأخبار «الصهيونية»، ومنعهم من مشاهدة الفضائيات، وتجريب الأدوية الجديدة عليهم لذا، ونظراً لظروفهم الصعبة والأدوية المجرّبة، أصيب كثيرون منهم بأمراض مزمنة خطيرة، وعاهات دائمة، ومراراً يمنع العدو الصهيوني زيارات أهالي الأسرى لذويهم في المعتقل وإن تمت الزيارة فإن سلطات العدو بتصرفها الهمجي تضع حاجزين من الأسلاك المشبكة بينهما متر أو أكثر والذي يحجب بدوره الأسير وذويه من رؤية بعضهم بشكل واضح، وإن أبرز أساليب الحقد الأسود التي يتبعها السجان هي الحرب النفسية ضد الأسير ويتجسد ذلك من خلال الاعتقال الإداري الذي يمتد لسنوات طويلة في ظلمات السجون، ومنع الزيارات عن بعضهم شهوراً طويلة، وكذلك اللجوء إلى وسائل التعذيب النفسي المنظمة ضدهم من قبل أطباء النفس الذين أصبح شغلهم الشاغل ليس معالجة حالة الأسير النفسية بل كسر إرادته ونفسيته وتحطيمها، الأمر الذي يؤدي إلى إصابتهم بأمراض نفسية مزمنة.
إحصاءات وممارسات العدو
تؤكد آخر إحصائية متعلقة بشؤون الأسرى أن ما يزيد على مليون من أبناء شعبنا الفلسطيني تم اعتقالهم، فلا يكاد يخلو بيت فلسطيني من شهيد أو أسير أو شخص مر بتجربة الاعتقال، ومنذ عام 1967، فإن 218 أسيراً قد استشهدوا داخل المعتقلات الصهيونية: 75 استشهدوا نتيجة القتل العمد، و7 معتقلين استشهدوا داخل السجون والمعتقلات نتيجة إطلاق النار عليهم مباشرة، فيما استشهد 62 أسيراً نتيجة الإهمال الطبي، وارتقى 73 أسيراً نتيجة التعذيب الهمجي لهم.
عداكم عن معاناة الأسيرات أيضاً واللاتي تم اعتقالهن في فترة الحمل ووضعن أطفالهن في ظروف غير إنسانية حيث يبقى المولود مع والدته في السجن في ظروف لا يمكن أن تراها إلا في كيان العدو.
وأمام هذه الإحصاءات والانتهاكات فإننا أمام كيان ينتهك القانون الدولي على مرأى ومسمع من العالم أجمع، و(يشرع) انتهاكه بـ(قوانينه) العنصرية، وبمشاركة كافة مركبات الكيان الإسرائيلي، ويتصرف على أنه فوق القانون وخارج نطاق الملاحقة أو المحاسبة، ويسعى إلى ترسيخ ثقافة «الإفلات من العقاب» ليس فقط لمن يعملون في الأجهزة الأمنية وإنما أيضا لدى كافة شرائح الكيان الصهيوني، مما يدفعهم للتمادي في سلوكهم الشاذ والعنصري.
وأخيراً فإننا نتطلع إلى جهد، سياسي وحقوقي وقانوني وإنساني، ضاغط ومؤثر، يدفع المحكمة الجنائية الدولية إلى البدء بفتح تحقيق في الجرائم التي اقترفت بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون العدو الصهيوني وهي لا تعد ولا تحصى، ولابد من التأكيد على أن الاعتقالات وبالرغم من ضخامة أرقامها وبشاعة ما يصاحبها ويتبعها، فإنها لم ولن توقف مسيرة شعبنا الفلسطيني الذي يصر على أن يستمر في مقاومته حتى استرداد أرضه ونيل حريته وتبييض السجون، فالاعتقالات لن تكسر شوكتنا وسيستمر شعبنا الفلسطيني بالنضال والمقاومة حتى تحرير فلسطين.. كل فلسطين.

*مدير مركز (رؤية) للدراسات والأبحاث

print